وابن عباس لم يحضر هذه الواقعة قطعًا؛ لأنه لم يولد بعد، فيكون رواها عن غيره من الصحابة الذين قد حضروها، أو سمعوها ممن حضرها، واللَّه أعلم.
[تعبير الصحابة عن سبب النزول]
وغالبًا ما تكون عبارتهم الصريحة في ذلك:"فأنزل اللَّه"، أو عبارة "فأنزلت" أو عبارة "فنزلت" الدالة على التعقيب.
ومن أمثلة ذلك:
١ - ما رواه البخاري عن ابن مسعود (ت: ٣٢ هـ) في قوله تعالى: {وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ}[فصلت: ٢٢]، قال:"كان رجلان من قريش وَخَتَنٌ (١) لهما من ثقيف، أو رجلان من ثقيف وختن لهما من قريش في بيت، فقال بعضهم لبعض: أترون أن اللَّه يسمع حديثنا؟!
قال بعضهم: يسمع بعضه. وقال بعضهم: لئن كان يسمع بعضه لقد يسمع كله، فأنزلت:{وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ}[فصلت: ٢٢] " (٢).
٢ - روى البخاري (ت: ٢٥٦ هـ): عن خباب (ت: ٣٧ هـ)، قال:"جئت العاص بن وائل السهمي أتقاضاه حقًّا لي عنده، فقال: لا أعطيك حتى تكفر بمحمد -صلى اللَّه عليه وسلم-. فقلت: لا، حتى تموت، ثم تبعث.
قال: وإني لميت ثم مبعوث؟! قلت: نعم.
قال: إن لي هناك مالًا وولدًا، فأقضيكه، فنزلت: {أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا} [مريم: ٧٧ - ٧٨] " (٣).
٣ - روى البخاري (ت: ٢٥٦ هـ) عن ابن عمر (ت: ٧٣ هـ) قال: "لما توفي عبد اللَّه [ابن أُبي بن سلول، جاء ابنه عبد اللَّه بن عبد اللَّه إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه، فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه، فقام رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ليصلي،
(١) قال في القاموس المحيط: "الخَتْنُ: القطع، وبالتحريك: الصهر، أو كل من كان من قبل المرأة كالأب والأخ". (٢) رواه البخاري في كتاب التفسير من صحيحه، باب: {وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ} من سورة فصلت، رقم الحديث (٤٨١٦). (٣) أخرجه البخاري في كتاب التفسير من صحيحه، باب {أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا} من سورة مريم، رقم الحديث: ٤٧٣٢، وينظر ما بعدها من الروايات، فهي في القصة نفسها، وقد ورد في الرواية رقم (٤٧٣٣) التي تليها عبارة: "فأنزل اللَّه".