للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

وروى أبو موسى الأصْفَهَانِيُّ بسنده عن الأصْمَعِيّ أنَّهُ قال: «يُتَّقَى من حديث رسول الله كما يُتَّقَى من تفسير القرآن».

لذلك ما جسر العلماء على هذا العلم بالظّنّ والتّخرّص صونًا لحديث رسول الله أن يتكلموا فيه بغير بيّنة ولا حجّة. ولم يركب هذا البحر إلّا أهل الرّسوخ في العلم وأهل البَصَر بكلام العرب.

وظهر الاهتمام بغريب الحديث في نهاية القرن الثاني وبداية القرن الثالث - تقريبًا - ذلك عندما أدرك العلماء الأجلاء أنّ الحاجة ملحّة إلى تتبّع هذا الغريب في موطنه، وتفسيره وتوضيح المراد منه خدمة للعقيدة، وإظهارًا للدّين بعد أن أتمّ الله - تعالى - نوره وجاوز الإسلام حدود جزيرة العرب. ودخل الناس في دين الله أفواجًا واختلط العرب بغيرهم من الأعاجم، واستحال اللسان العربيّ أعجميًّا أو كاد في كثير من أقطار الإسلام، واستعجم أبناء العرب واغترب اللسان العربي بين أبناء المسلمين.

ولمّا أدرك العلماء ذلك، وتحرّكت عندهم الغيرة على حديث رسول الله نشطوا منذ بدء التّدوين إلى التّصنيف في غريب الحديث طوال القرن الثالث والرابع والخامس حيث لم يخل زمان وعصر مِمّن جمع في هذا الفنّ شيئًا، وانفرد فيه بتأليف، واستبد فيه بتصنيف. واستمرت الحال إلى عهد الإمام الحافظ أبي الحسن عبد الغافر بن إسماعيل الفارسي وكان بعد الخمسمائة وقبلها، وانتهى إليه أكثر ما ألف في هذا الفنّ، فنظر فيه فوجد أنّ فيه ثَغْرة يمكن أن يسدّها، وثلمة يمكن

<<  <  ج: ص:  >  >>