عليهم تقدمته، واتخذوه وراءهم ظهريًّا، فصار نسيًا منسيًّا، والمشتغل به عندهم بعيدًا قصِيًّا. فلمّا أعضل الداء، وعزَّ الدّواء، ألهم الله ﷿ جماعةً من أولي المعارف والنهى وذوي البصائر والحجى، أن صرفوا إلى هذا الشأن طرفًا من عنايتهم، وجانبًا من رعايتهم، فشرعوا فيه للناس موارد، ومهدوا فيه لهم معاهد، حراسة لهذا العلم الشريف من الضياع، وحفظًا لهذا المهم العزيز من الاختلال» (١).
فيرجع ابن الأثير السبب في غرابة بعض ألفاظ الحديث إلى اختلاط العرب بغيرهم، وتَعَلُّم غير العرب العربِيّة، واقتصارهم على تَعَلُّم بعض الألفاظ دون بعض مما أدى إلى هجر ألفاظ عربيّة فصيحة حتى أصبحت فيما بعد غريبة بعيدة الفهم، احتاجت إلى التفسير والبيان. وهذا ما قام به علماء غريب الحديث الشريف.
ولا شك أن معرفة ألفاظ الحديث مقدمةٌ في الرتبة على معرفة معانيه؛ لأنها الأصل في الخطاب وبها يحصل التفاهم، فإذا عُرِفَتْ ترتّبت المعاني عليها، فكان الاهتمام ببيانها أولى.
ولما أدرك العلماء الأجلاء هذا المعنى انتدبوا أنفسهم لخدمة هذا الفن، ففسّروا ما استغلق من معاني كلماته، لورعهم وخوفهم من القول في حديث رسول الله بغير علم. فلقد رُوِيَ عن الإمام أحمد أنّه قال عندما سُئِل عن حرف من الحديث: «سلوا أصحاب الغريب فإني أكره