ذَكَرَ ﷺ فِي الحَدِيثِ مَثَلَيْنِ (١): أَحَدُهُما لِلْمُفْرِطِ فِي جَمْعِ الدُّنْيا وَمَنْعِها من حَقِّها بالإسْرافِ فيها والاسْتِكْثارِ مِنْها، شَبَّهَهُ بِالحَيَوانِ الذي يَسْتَكْثِرُ مِمَّا يُنْبِتُهُ الرَّبِيعُ مِنْ أَحْرارِ البُقُولِ والعُشْبِ فَتَحْبَطُ أَمْعاؤُها - أي: تَنْتَفِخُ مِن كَثْرَةِ الأَكْلِ فَتَهْلِكُ فالمُسْتَكْثِرُ مِنْ الدُّنيا يَجْمَعُ ما لا يَحْتَمِلُهُ ولا يَقُومُ بِحَقِّهِ ولا يُؤَدِّي زَكاتَهُ فهو سَبَبُ هَلاكِهِ.
وَقَوْلُهُ: «أَو يُلِمُّ» أي: يَقْرُبُ مِنْ الهَلاكِ بِسَبَبِهِ.
والمَثَلُ الثَّانِي: لِلْمُقْتَصِدِ القانِعِ المُسْتَعْمِل من الدُّنيا ما يَحْتاجُ إِلَيْهِ، التَّارِكِ لِما يَفْضُلُ مِنْهُ، فَشَبَّهَهُ بِآكِلَةِ الخَضِرِ وَهِي لَيْسَتْ مِن أَحْرارِ البُقُولِ والعُشْبِ، وَلَكِنَّها مِمَّا تَرْعَاهَا المواشِي بَعْدَ هَيْجِ البُقُولِ فَلا تَسْتَكْثِرُ مِنها، وَلَكِنَّها إِذا أَصابَتْ مِقْدارَ شِبَعِها تَرَكَتْ الأَكْلَ واسْتَقْبَلَتْ عَيْنَ الشَّمْسِ فَثَلَطَتْ وَبالَتْ، فإذا خَلَتْ أَجْوافُها مِنْهَا نَجَتْ وَلَمْ تَهْلِكْ وَعادَتْ إلى الأَكْلِ فَكَذَلِكَ المُقْتَصِدُ يَجْمَعُ مَا يَحْتاجُ إِلَيْهِ وَيُعْطِي حَقَّهُ وَيَنْجُو مِنْ وَبالِ عاقِبَتِهِ.
وَجُمْلَةُ الكلامِ أَنَّهُ نَبَّهَ ﵇ عَلَى أَنَّ المُسْتَكْثِرَ من الدُّنيا فَوْقَ كِفَايَتِهِ ساعٍ في إهْلاكِ نَفْسِهِ، كَالحَيَوانِ الذي يَأْكُلُ فَوْقَ الشِّبَعِ، وَفَوْقَ مَا يَحْتَمِلُهُ حَتَّى أَدَّى ذَلِكَ إلى هَلَاكِهِ، وَإِنَّ القَانِعَ المُقْتَصِدَ كالحَيَوانِ يَأْخُذُ مَا يَحْتاجُ إِلَيْهِ ثُمَّ يُمْسِكُ عَن الزِّيَادَةِ فَيَجْتَرُّ مِمَّا أَكَلَهُ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهُ أَذَى مَا أَكَلَهُ بِأَنْ ثَلَطَ وَبالَ ثُمَّ يَعُودُ إلى الأَكْلِ بِمِقْدارِ الحاجَةِ، وَهذا مِنْ فَصِيحِ كَلامِهِ وَبَالِغِ حِكْمَتِهِ فِي
(١) انظر الأمثال لأبي عبيد ٣٥، وفصل المقال ٩، وجمهرة الأمثال ١/ ٢٠، ومجمع الأمثال ١/ ٨، والمستقصى ١/ ٤١٥.
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute