والمهاجرين والأنصارِ من الأصحاب، والسلام على أرواح السلف الصالحين. والأَئِمَّةِ الماضين، الذين رتبوا الشَّرع على الأبواب، وبذَلوا وُسْعَهُمْ بِكُنْهِ الْجَهْدِ والإدْآب، وشرحوا ما استَبْهَمَ من الفرائضِ والسُّنَنِ والآداب، وأبرزوا أسْرَارَ الْعُلومِ بالبحثِ والسَّبْرِ من وراءِ الحِجَابِ، وسَفَرُوا عَنْ وَجْهِ الطَّلَبِ لِمَنْ أرَادَ أَنْ يَحْذُوَ حَذْوَهُمْ سَاتِرَ النّقَابِ، وخَرَجُوا فِيمَا أَمْكَنَهُمْ مِنْ شَرْحِ الألفاظِ واستنباطِ المعاني من (١) الإهاب، حتَّى رسخت قواعدُ الدِّين مُبْرَمَةَ الأسْبَاب، وعلت أعلامُه ممتدَّة الأَطْنَابِ، ﵃، وجَزَاهُمْ عن حسنِ سَعْيِهِمْ جَزِيلَ الثواب، إِنَّه الكريمُ الوهابُ.
أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ أَوْلَى ما يصرفُ الإِنْسَانَ إِلَيْه هَمَّهُ، ما يراه فيما يذره ويأتيه أَهَمَّهُ، ويقصد به أكملَ النَّفْعِ وأَعَمَّهُ؛ إِذْ فنونُ العِلْمِ أكثرُ من أن يَفِيَ به العمرُ القصيرُ، بل لا يحصل من كُلِّ واحدٍ، لِكُلِّ أحد لو استفرغ وُسْعَه فيه العشير. وأَصْنَافُ العلومِ لا تنضبط، وهِمَمُ النُّفُوسِ تَنْقَبِضُ عَنِ التَّحْصِيلِ وَلَا تَنْبَسِطُ. وأَحَقُّ ما يَنْبَغِي أَنْ يُصَدَّقَ به الاعتناء، ويُتَحَمَّلُ في معرفته المشقَّةُ والعَنَاءُ؛ كِتَابُ اللهِ العزيزُ، وقد سبق فيه من المحققين في كل نوع ما شفى الغليلَ، وبَيَّنُوا التَّفْسِيرَ والتَّأْويلَ، وما بَقَّوْا في القوس مَنْزَعًا لأَحَدٍ، وما قَصَّرُوا عن بُلوغِ أَمَدٍ، واستقصوا وُجُوهَ القراءات: شَوَاذَّهَا وَمَرْوِيَّهَا، ونَشَرُوا خَفِيَّها ومَطْوِيَّها، وشقَّ كُلٌّ في شِقِّ تَوَلَّاهُ ومَارسَه وعاناه الشّعر، وصنفوا في وجوه معانيه ولطائفه