وأولى هذه الأقوالِ عندى بالصوابِ قولُ مَن جعَل الاستفهامَ مُتَناهِيًا عندَ قولِه: ﴿بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾. والخبرَ بعدَه مبتدأً عمَّن له الجناتُ بقولِه: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ﴾. فيَكونُ مَخْرَجُ ذلك مَخْرَجَ الخبرِ، وهو إبانةٌ عن معنى "الخير" الذي قال: أَؤُنَبِّئُكُم (١) به؟ فلا يَكونُ بالكلامِ حينَئذٍ حاجةٌ إلى ضميرِ.
قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جَريرٍ الطبريُّ: وأما قولُه: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾. فمنصوبٌ على القطع.
والجناتُ البساتينُ، وقد بيَّنا ذلك بالشواهدِ فيما مضَى، وأن قولَه: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. يعني به: مِن تحتِ الأشْجارِ. وأن الخلودَ فيها دَوامُ البقاءِ فيها، وأن الأزواجَ المُطَهَّرةَ من نساءُ الجنةِ اللَّواتى طُهَّرْنَ مِن كُلِّ أَذًى يَكونُ بنساءِ أهلِ الدنيا، مِن الحيضِ والمنيِّ والبولِ والنِّفاسِ، وما أشْبَهَ ذلك مِن الأذى، بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (٢).
وقولُه: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ﴾. يعني: ورضا اللهِ. وهو مصدرٌ مِن قولِ القائل: رضِى اللهُ عن فلانٍ، فهو يَرْضَى عنه رِضًا، منقوصٌ، ورِضْوانًا ورُضْوانًا ومَرْضاةً. فأما الرُّضْوانُ بضمِّ الراءِ فهو لغةُ قيسٍ، وبه كان عاصمٌ يَقْرِأٌ (٣).
(١) في ص، م، ت ٢، ت ٣: "أنبئكم". (٢) ينظر ما تقدم في (١/ ٤٠٦ - ٤٠٨، ٤١٩ - ٤٢٢). (٣) في رواية أبي بكر عنه، وروى حفص عنه بالكسر كقراءة الباقين. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٢٠٢.