يقولُ تعالى ذكرُه: أرسلنا بالبيناتِ والزُّبُرِ رجالًا نُوحِى (٢) إليهم.
فإن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾؟ وما الجالبُ لهذه الباءِ في قولِه: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ فإن قُلتَ (٣): جالِبُها قولُه: ﴿أَرْسَلْنَا﴾. وهى مِن صلتِه. فهل يجوزُ أن تكون صلةُ ﴿وَمَا﴾ قبلَ ﴿إِلَّا﴾، بعدَها؟؛ وإن قلتَ: جالبُها غيرُ ذلك. فما هو، وأين الفعلُ الذي جلَبها؟
قيل: قد اختلَف أهلُ العربيةِ في ذلك؛ فقال بعضُهم: الباءُ التي في قولِه: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ من صلة ﴿أَرْسَلْنَا﴾. قال (٤): ﴿إِلَّا﴾ في هذا الموضعِ، ومع الجحدِ والاستفهامِ في كلِّ موضعٍ، بمعنى "غَيْر". وقال: معنى الكلامِ: وما أرسلنا من قبلِك بالبيناتِ والزُّبُرِ غيرَ رجالٍ نُوحِى إليهم. ويقولُ على ذلك: ما ضَرَب إلا أخوك زيدًا. وهل كلَّم إلا أخوك عَمْرًا؟ بمعنى: ما ضَرَب زيدًا غيرُ أخيك. وهل كلَّم عَمْرًا إلا أخوك. ويَحْتجُّ في ذلك بقولِ أَوْسِ بن حَجَرٍ (٥):
(١) ذكره أبو حيان في البحر المحيط ٥/ ٤٩٣ بلفظ: "أهل القرآن"، وابن كثير في تفسيره ٤/ ٤٩٢، والزيادة الآتية من بقية الأثر ليست عندهما. (٢) في ص: "يوحى" غير منقوطة، وفى ت ١ غير واضحة، وفى ت ٢، ف: "يوحى". (٣) ينظر ما سيذكره المصنف هنا وفى الصفحة القادمة، ومعاني القرآن ٢/ ١٠٠، ١٠١. (٤) في م: "وقال". (٥) ديوانه ص ٢١، وينظر معاني القرآن ٢/ ١٠١.