والوجوهُ وإن كانت مرفوعةً بـ ﴿مُسْوَدَّةٌ﴾، فإن فيها معنى نصبٍ؛ لأنها مع خبرِها تمامُ ﴿تَرَى﴾، ولو تقدَّم قولُه: ﴿مُسْوَدَّةٌ﴾ قبلَ الوجوهِ، كان نصبًا، ولو نصَبَ "الوجوهَ المسودَّةَ"، ناصبٌ في الكلامِ لا في القرآنِ، إذا كانت المسودّةُ متأخرةً، كان جائزًا، كما قال الشاعرُ (١):
ذَرِيني إِنَّ أمرَكِ لن يُطاعَا … وما ألفيتِني حلمى (٢) مُضاعا
فنصَبَ الحلمَ والمضاعَ على تكريرِ "ألفيتِني"، وكذلك تفعلُ العربُ في كلِّ ما احتاج إلى اسمٍ وخبرٍ، مثلَ "ظنَّ وأخواتِها".
وفي ﴿مُسْوَدَّةٌ﴾ للعربِ لغتان:"مسودّةٌ"، و "مسوادّةٌ"، وهي في أهلِ الحجازِ، يقولون فيما ذُكِر عنهم: قد اسوادَّ وجهُه، واحمارَّ، واشهابَّ. وذكَر بعضُ نحويِّي البصرةِ عن بعضِهم، أنه قال: لا يكونُ "افعالَّ" إلا في ذي اللونِ (٣) الواحدِ، نحوَ الأشهبِ (٤). قال: ولا يكونُ في نحوِ الأحمرِ؛ لأن الشهَبَ (٥) لونٌ يحدُثُ، والأحمرَ لا يحدثُ.
وقولُه: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾. يقولُ: أليس في جهنمَ مَأْوًى ومسكنٌ لمن تكبَّر على اللهِ، فامتنَع من توحيدِه، والانتهاءِ إلى طاعتِه، فيما أمَره ونهاه عنه؟
(١) هو عدي بن زيد العبادي، وقد تقدم البيت في ١٣/ ٦٢٢. (٢) في ص، ت ١: "حكمي". (٣) في ص، ت ١: "النون". (٤) في ت ١: "شهاب". (٥) في ت ٢: "أشهب" وفي م، ت ٣: "الأشهب".