يقالَ: ﴿مُسْتَأْنِسِينَ﴾. في موضعِ نَصْبٍ عطفًا على معنى ﴿نَاظِرِينَ﴾؛ لأن معناه: إلا أن يؤذَنَ لكم إلى طعامٍ لا ناظرين إناهُ، فيكونَ قولُه: ﴿وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ﴾. نصبًا حينئذٍ. والعربُ تفعَلُ ذلك إذا حالت بينَ الأوّلِ والثاني، فترُدُّ الثانيَ (١) أحيانًا على لفظِ الأوّلِ، وأحيانًا على معناه، وقد ذكَر الفرَّاءُ أن أبا القمقامِ أنشدَه (٢):
ولَا مُصْعِدٍ في المُصْعِدِينَ لِمَنْعِجٍ (٦) … ولا هابطٍ (٧) ما عشْتَ هَضْبَ شَطِيبٍ (٨)
فردَّ مُصعِدٍ على أن رائىَ فيه باءٌ خافضةٌ، إذ حال بينَه وبينَ المُصْعِدِ بما حالَ بينَهما من الكلامِ.
ومعنى قولِه: ﴿وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾: ولا مُتحَدِّثين بعدَ فراغِكم من أكلِ الطعامِ؛ إيناسًا من بعضِكم لبعضٍ به.
كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ بعدَ أن تأكُلوا (٩).
(١) سقط من: م. (٢) معاني القرآن للفراء ٢/ ٣٤٨. (٣) رامة: منزل بينه وبين الرمادة ليلة في طريق البصرة إلى مكة. معجم البلدان ٢/ ٧٣٨. (٤) عاقل: واد لبنى أبان بن دارم من دون بطن الرمة. معجم البلدان ٣/ ٥٨٩. (٥) جنيب: كأمير، ورجل جنيب: كأنه يمشى في جانب متعقبًا. التاج (ج ن ب). (٦) منعج: واد يأخذ بين حفر أبى موسى والنباج ويدفع في بطن فلج. معجم البلدان ٤/ ٦٦٦. (٧) في م: "هابطًا". (٨) شطيب: جبل. (٩) تفسير مجاهد ص ٥٥١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢١٤ إلى الفريابى وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.