للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وترجع مصادر ابن ميسّر التي اعتمد عليها في تاريخه إلى تاريخ القاضي زكيّ الدّين الدّمشقي، وكتاب «البستان الجامع» للعماد الكاتب الأصفهاني (وهو مؤلّف آخر غير العماد الكاتب المشهور مؤلّف سيرة صلاح الدّين)، وتاريخ ابن الأثير وتاريخ ابن المأمون، و «تاريخ خلفاء مصر» للمرتضى بن المحنّك. وأغلب هؤلاء المؤرّخين عاشوا في القرن السّادس وفي مطلع القرن السّابع الهجريين، الأمر الذي يخلق مشكلة في التّعرّف على مصادر التاريخ الفاطمي في القرن الخامس الهجري وعلى الأخصّ أحداث الشّدّة العظمى والحرب الأهليّة التي كانت السّبب في استدعاء الخليفة المستنصر باللّه لأمير الجيوش بدر الجمالي الذي استولى على السّلطة في مصر اعتبارا من عام ٤٦٦ هـ/ ١٠٧٣ م. وهذا هو سبب شهرة ابن ميسّر كمكمّل لتاريخ المسبّحي لأنّه المؤرّخ الوحيد الذي قدّم لنا تفصيلات لأحداث هذه الفترة الهامّة في تاريخ الدّولة الفاطمية.

ولكن من أين استمدّ ابن ميسّر معلوماته عن هذه الفترة التي اعتمد عليها بعد ذلك المقريزي، سواء في «الخطط» أو في «اتّعاظ الحنفا»؟ واضح أنّ ابن ميسّر اعتمد على حولية تقدّم لنا وصفا لأحداث هذه الفترة كما تمدّنا بها السّجلاّت الفاطمية المعاصرة التي يعود تاريخ كتابتها إلى زمن الأحداث نفسها. وقد استخدم هذه الحوليّة أيضا ابن الصّيرفيّ، في النصف الأوّل للقرن السّادس الهجري، في كتابه «الإشارة إلى من نال الوزارة»، كما يتّضح - على سبيل المثال - من تطابق روايتهما لأحداث غزو قبائل زغبة ورياح لإفريقيّة وهزيمة عرب البحيرة، حيث تبدو بنفس التّسلسل عند ابن ميسّر في حوادث سنة ٤٤٣ هـ (١). ومن المحتمل أن تكون الحوليّة التي استخدمها كلّ منهما هي: «تاريخ خلفاء مصر» للقاضي المرتضى أبي عبد اللّه محمّد بن الحسين الطّرابلسي المعروف بالمحنّك، المتوفى سنة ٥٤٩ هـ/ ١١٥٤ م، وهو كتاب مفقود لم يصل إلينا.

فيكون «تاريخ» ابن المحنّك هو الحوليّة الوحيدة التي أرّخت لحوادث القرن الخامس الهجري.

ومؤلّف هذا التّاريخ أحد الذين تولّوا نظر الدّواوين والخزائن في الدّولة الفاطمية (٢)، قال عنه ابن ميسّر: «قطع فيه على الحافظ»، ولكن لا نعرف في أيّة سنة بالتحديد (٣). وترجم المقريزيّ للقاضي المرتضى المحنّك في «المقفّى الكبير»، ونقل عن ابن ميسّر قوله: «ووقفت له على تاريخ عمله في


(١) ابن ميسر: أخبار مصر ١٢؛ ابن الصيرفي: الإشارة ٧٧ - ٧٨.
(٢) ابن ميسر: أخبار مصر ١٣٧؛ المقريزي: اتعاظ الحنفا ١٨٢: ٣؛ وانظر كذلك، Brett، M.، Review، JRAS (١٩٨٣)، p. ٢٩٥.
(٣) نفسه ١٥٣؛ نفسه ٢٢٣: ٣.