لهم روح القدس في شبه ألسنة من نار، فامتلأوا من روح القدس، وتكلّموا بجميع الألسن، وظهرت على أيديهم آيات كثيرة، فعاداهم اليهود وحبسوهم، فنجّاهم اللّه منهم، وخرجوا من السّجن فساروا في الأرض متفرّقين يدعون الناس إلى دين المسيح.
[الميلاد -]
يزعمون أنّه اليوم الذي ولد فيه المسيح، وهو يوم الاثنين، فيجعلون عشيّة الأحد ليلة الميلاد (a). وسنّتهم فيه كثرة الوقود بالكنائس وتزيينها، ويعملونه بمصر في التاسع والعشرين من كيهك (١).
ولم يزل بديار مصر من المواسم المشهورة فكان يفرّق فيه - أيّام الدّولة الفاطميّة - على أرباب الرّسوم من الأستاذين المحنّكين والأمراء المطوّقين وسائر العوالي (b) من الكتّاب وغيرهم الجامات من الحلاوة القاهريّة، والمثارد التي فيها السّميذ، وقرابات الجلاّب، وطيافير الزّلابية، والسّمك المعروف بالبوري (٢).
ومن رسم النّصارى في الميلاد اللّعب بالنّار؛ ومن أحسن ما قيل:
[البسيط]
ما اللّعب بالنّار في الميلاد من سنّة (c) … وإنّما فيه للإسلام مقصود
ففيه بهت النّصارى أنّ ربّهم … عيسى بن مريم مخلوق ومولود
وأدركنا الميلاد بالقاهرة ومصر وسائر إقليم مصر موسما جليلا، يباع فيه من الشّموع المزهرة بالأصباغ المليحة والتّماثيل البديعة بأموال لا تنحصر، فلا يبقى أحد من النّاس أعلاهم وأدناهم حتى يشتري من ذلك لأولاده وأهله. وكانوا يسمّونها الفوانيس (واحدها فانوس)(٣)، ويعلّقون منها في الأسواق بالحوانيت شيئا يخرج عن الحدّ في الكثرة والملاحة. ويتنافس الناس في المغالاة في أثمانها، حتى لقد أدركت شمعة عملت فبلغ مصروفها ألف درهم وخمس مائة درهم فضّة، عنها يومئذ ما ينيف على سبعين مثقالا من الذّهب.
وأعرف السّؤّال في الطّرقات أيّام هذه المواسم، وهم يسألون اللّه أن يتصدّق عليهم بفانوس، فيشتري لهم من صغار الفوانيس ما يبلغ ثمنه الدّرهم وما حوله.
(a) بولاق: فيحيون عشية ليلة الميلاد. (b) بولاق: الموالي. (c) بولاق: سفه. (١) القلقشندي: صبح الأعشى ٤٢٦: ٢. (٢) انظر فيما يلي ٤٩٤: ١. (٣) هذه إشارة مهمة لأصل استخدام الفانوس في مصر وأنه كان يستخدم في الأعياد القبطية وعلى الأخص عيد الميلاد، ولكن لا ندري متى أصبح استخدام الفانوس من عادات شهر رمضان في مصر عند المسلمين.