للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[ذكر العوائد التي كانت بقصبة القاهرة]

اعلم أنّ قصبة القاهرة ما برحت محترمة، بحيث إنّه كان في الدّولة الفاطميّة إذا قدم رسول متملّك الرّوم ينزل من باب الفتوح، ويقبّل الأرض وهو ماش، إلى أن يصل إلى القصر. وكذلك كان يفعل كلّ من غضب عليه الخليفة، فإنّه يخرج إلى باب الفتوح، ويكشف رأسه ويستغيث بعفو أمير المؤمنين حتى يؤذن له بالمصير إلى القصر.

وكانت لها عوائد: منها أنّ السّلطان من ملوك بني أيّوب، ومن قام بعدهم من ملوك التّرك، لا بدّ إذا استقرّ في سلطنة ديار مصر أن يلبس خلعة السّلطنة (b) بظاهر القاهرة، ويدخل إليها راكبا والوزير بين يديه على فرس، وهو حامل عهد السّلطان الذي كتبه له الخليفة بسلطنة مصر على رأسه وقد أمسكه بيديه، وجميع الأمراء ورجال العساكر مشاة بين يديه، منذ يدخل إلى القاهرة من باب الفتوح أو من باب النّصر، إلى أن يخرج من باب زويلة. فإذا خرج السّلطان من باب زويلة ركب حينئذ الأمراء وبقيّة العسكر.

ومنها أنّه لا يمرّ بقصبة القاهرة حمل تبن ولا حمل حطب، ولا يسوق أحد فرسا بها، ولا يمرّ بها سقّاء إلاّ راويته مغطّاة.

ومن رسم أرباب الحوانيت أن يعدّوا عند كلّ حانوت زيرا مملوءا بالماء، مخافة أن يحدث الحريق في مكان فيطفأ بسرعة، ويلزم صاحب كلّ حانوت أن يعلّق على حانوته قنديلا طول اللّيل يسرج إلى الصّباح.

ويقام في القصبة قوم يكنسون الأزبال والأتربة ونحوها، ويرشّون كلّ يوم، ويجعل في القصبة طول اللّيل عدّة من الخفراء يطوفون بها لحراسة الحوانيت وغيرها، ويتعاهد كلّ قليل بقطع ما عساه تربّى من الأوساخ في الطّرقات حتى لا تعلو الشّوارع (c).

وأوّل من ركب بخلع الخليفة في القاهرة السّلطان الملك الناصر صلاح الدّين يوسف ابن أيّوب. قال القاضي الفاضل في «متجدّدات» سنة سبع وستين وخمس مائة: تاسع شهر رجب وصلت الخلع التي كانت نفذت إلى السّلطان الملك العادل نور الدّين محمود بن زنكي من


(b) بولاق: السلطان.
(c) في هامش آياصوفيا: بياض ثمانية أسطر.