القاذورات، وما شيء في الحقيقة أفسد لطباع البشر منها. ولاشتهارها في وقتنا هذا عند الخاصّ والعامّ، بمصر والشّام والعراق والرّوم، تعيّن ذكرها، واللّه تعالى أعلم.
ذكر حشيشة الفقراء (١) -
قال الحسن بن محمد في كتاب:«السّوانح الأدبيّة في مدائح القنّبيّة»(٢): سألت الشّيخ جعفر بن محمد الشّيرازي الحيدري ببلدة تستر، في سنة ثمان وخمسين وستّ مائة، عن السّبب في الوقوف على هذا العقار، ووصوله إلى الفقراء خاصّة، وتعدّيه إلى العوام عامّة. فذكر لي أنّ شيخه، الشيخ حيدر (a) ﵀ كان كثير الرّياضة والمجاهدة، قليل الاستعمال للغذاء، قد فاق في الزّهادة، وبرز في العبادة. وكان مولده بنشاور (٣) من بلاد خراسان، ومقامه بجبل بين نشاور وراماه (b) (٤)، وكان قد اتّخذ بهذا الجبل زاوية وفي صحبته جماعة من الفقراء، وانقطع في موضع منها، ومكث بها أكثر من عشر سنين لا يخرج منها، ولا يدخل عليه أحد غيري للقيام بخدمته.
قال: ثم إنّ الشيخ طلع ذات يوم، وقد اشتدّ الحرّ وقت القائلة، منفردا بنفسه إلى الصّحراء، ثم عاد وقد علا وجهه نشاط وسرور بخلاف ما كنّا نعهده من حاله قبل، وأذن لأصحابه في الدّخول عليه، وأخذ يحادثهم. فلمّا رأينا الشّيخ على هذه الحالة من المؤانسة، بعد إقامته تلك المدّة الطّويلة في الخلوة والعزلة، سألناه عن ذلك فقال: بينما أنا في خلوتي إذ خطر ببالي الخروج إلى الصّحراء منفردا، فخرجت فوجدت كلّ شيء من النّبات ساكنا لا يتحرّك لعدم الرّيح وشدّة القيظ، ومررت بنبات له ورق، فرأيته في تلك الحال يميس بلطف، ويتحرّك من غير عنف كالثّمل النّشوان، فجعلت أقطف منه أوراقا وآكلها، فحدث عندي من الارتياح ما شاهدتموه، وقوموا بنا حتى أوقفكم عليه لتعرفوا شكله.
(a) بولاق: شيخ الشيوخ حيدرا. (b) بولاق: مارماه. (١) نشرها سلفستر دي ساسي في كتاب Chrestomathie arabe، Paris ١٨٠٦، I، pp. ١٠٥ - ٣١. (٢) «السّوانح الأدبية في مدائح القنّبيّة» للحسن بن محمد ابن عبد الرحمن بن أبي البقاء العكبري، قال حاجي خليفة: «رسالة كأنّه عارض بها صاحبها «تكريم المعيشة في تحريم الحشيشة» للقطب القسطلاّني. ولمّا وقف القسطلاّني على هذا وضع رسالة أخرى سمّاها «تتميم التّكريم لما في الحشيش من التّحريم»، يذكر فيها ما ذكره ويردّه». (كشف الظنون (طبعة ليبتسج) ٦٣٠: ٣). (٣) هي مدينة نيسابور، قال ياقوت: والعامّة يسمّونه نشاوور. (ياقوت: معجم البلدان ٣٣١: ٥). (٤) راماه. ربما المقصود: راماشاه من قرى مرو الشّاهجان. (نفسه ١٦: ٣).