للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وكانت الخاصّكيّة تكرهه، فاتّفقوا مع مماليك بيلبك الخازندار على القبض عليه، وتحدّثوا مع الملك السّعيد في ذلك، وما زالوا به حتى قبضوا عليه بمساعدة الأمير سيف الدين كوندك السّاقي لهم، وكان قد ربّي مع السّعيد في المكتب، فلم يشعر وهو قاعد بباب القلّة من القلعة، إلاّ وقد سحب وضرب ونتفت لحيته وجرّ - وقد ارتكب في إهانته أمر شنيع - إلى البرج فسجن به ليالي قليلة، ثم أخرج منه ميّتا في أثناء سنة ستّ وسبعين وست مائة، وجهل قبره.

المدرسة المهذّبيّة

هذه المدرسة خارج باب زويلة (١)، من خطّ حارة حلب، بجوار حمّام قماري، بناها الحكيم مهذّب الدّين أبو سعيد محمد بن علم الدّين بن أبي الوحش بن أبي الخير بن أبي سليمان بن أبي حليقة، رئيس الأطبّاء (٢).

كان جدّه الرّشيد أبو الوحش نصرانيّا متقدّما في صناعة الطبّ، فأسلم ابنه علم الدّين في حياته، وكان لا يولد له ولد فيعيش، فرأت أمّه، وهي حامل به، قائلا يقول: هيّئوا له حلقة فضّة قد تصدّق بوزنها، وساعة يوضع من بطن أمّه تثقب أذنه وتوضع فيها الحلقة، ففعلت ذلك فعاش، فعاهدت أمّه أباه ألاّ يقلعها من أذنه، فكبر وجاءته أولاد وكلّهم يموت، فولد له ابنه مهذّب الدّين أبو سعيد، فعمل له حلقة فعاش (٣).

وكان سبب اشتهاره بأبي حليقة: أنّ الملك الكامل محمد بن العادل أمر بعض خدّامه أن يستدعي بالرّشيد الطبيب من الباب - وكان جماعة من الأطبّاء بالباب - فقال الخادم: من هو منهم؟ فقال السّلطان: أبو حليقة. فخرج فاستدعاه بذلك، فاشتهر بهذا الاسم. ومات الرّشيد في سنة ستّ وسبعين وستّ مائة.


(١) يدلّ على موضع المدرسة المهذّبيّة الآن، التّكيّة الخلوتية الواقعة داخل عطفة مراد بأوّل الحلمية. (علي مبارك: الخطط التوفيقية ١٤٨: ٢ (٤٠)، ٤١: ٦ (١٦))؛ وفيما يلي ٥٩٨.
(٢) ترجم المقريزي لوالده في المقفى الكبير ١٤: ٣.
(٣) أعاد المقريزي ذكر هذه المدرسة فيما يلي ٥٩٨.