ذكر دخول النصارى من قبط مصر في طاعة المسلمين وأدائهم الجزية واتّخاذهم ذمّة لهم، وما كان في ذلك من الحوادث والأنباء
اعلم أنّ أرض مصر، لمّا دخلها المسلمون، كانت بأجمعها مشحونة بالنصارى. وهم على قسمين متباينين في أجناسهم وعقائدهم: أحدهما: «أهل الدّولة»، وكلّهم روم من جند صاحب القسطنطينية ملك الرّوم، ورأيهم وديانتهم بأجمعهم «ديانة الملكيّة»، وكانت عدّتهم تزيد على ثلاث مائة ألف رومي. والقسم الآخر «عامّة أهل مصر» - ويقال لهم «القبط»(١) - وأنسابهم مختلطة، لا يكاد يتميّز منهم القبطي من الحبشي من النوبي من الإسرائيلي الأصل من غيره، وكلّهم «يعاقبة»: فمنهم كتّاب المملكة، ومنهم التّجّار والباعة، ومنهم الأساقفة والقسوس ونحوهم، ومنهم أهل الفلاحة والزّرع، ومنهم أهل الخدمة والمهنة وبينهم وبين الملكية أهل الدّولة من العداوة ما يمنع مناكحتهم، ويوجب قتل بعضهم بعضا، ويبلغ عددهم عشرات آلاف كثيرة جدّا، فإنّهم في الحقيقة أهل أرض مصر أعلاها وأسفلها (٢).
فلمّا قدم عمرو بن العاص بجيوش المسلمين معه إلى مصر، قاتلهم الرّوم حماية لملكهم ودفعا لهم عن بلادهم. فقاتلهم المسلمون، وغلبوهم على الحصن كما تقدّم ذكره (٣). فطلب القبط من عمرو المصالحة على الجزية، فصالحهم عليها، وأقرّهم على ما بأيديهم من الأراضي وغيرها، وصاروا معه عونا للمسلمين على الرّوم حتى هزمهم اللّه تعالى، وأخرجهم من أرض مصر.
وكتب عمرو لبنيامين بطرك اليعاقبة «أمانا»، في سنة عشرين من الهجرة، فسرّه ذلك وقدم على عمرو، وجلس على كرسي بطركيته بعد ما غاب عنه ثلاث عشرة سنة: منها في ملك فارس لمصر عشر سنين، وباقيها بعد قدوم هرقل إلى مصر. فغلبت اليعاقبة على كنائس مصر ودياراتها كلّها، وانفردوا بها دون الملكيّة.
(١) راجع عن القبط ومدلول المصطلح A.S.Atiya، El ٢ art.al-Kibt V، pp. ٩٢ - ٩٧; The Coptic Encyclopedia II، pp. ٥٩٩ - ٦٣٥. (٢) انظر فيما يلي ١٠٢٤. (٣) فيما تقدم ١٠: ٢ - ٢٤.