للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

ثم دخل القدس - وقد تلقّاه النصارى بالأناجيل والصّلبان والبخور والشّموع المشعلة - فوجد المدينة وكنائسها وقمامتها خرابا، فساءه ذلك وتوجّع له. وأعلمه النصارى بما كان من ثورة اليهود مع الفرس، وإيقاعهم بالنصارى وتخريبهم الكنائس، وأنّهم كانوا أشدّ نكاية لهم من الفرس، وقاموا قياما كبيرا في قتلهم عن آخرهم، وحثّوا هرقل على الوقيعة بهم، حسّنوا له ذلك.

فاحتجّ عليهم بما كان من تأمينه لهم وحلفه، فأفتاه رهبانهم وبطاركتهم وقسّيسوهم بأنّه لا حرج عليه في قتلهم، فإنّهم عملوا عليه حيلة حتى أمّنهم من غير أن يعلم بما كان منهم، وأنّهم يقومون عنه بكفّارة يمينه: بأن يلتزموا ويلزموا النصارى بصوم جمعة في كلّ سنة عنه على ممرّ الزّمان والدّهور. فمال إلى قولهم، وأوقع باليهود وقيعة شنعاء أبادهم جميعهم فيها، حتى لم يبق في ممالك الرّوم بمصر والشّام منهم إلاّ من فرّ واختفى. فكتب البطارقة والأساقفة إلى جميع البلاد بإلزام النصارى بصوم أسبوع في السنة، فالتزموا صومه إلى اليوم، وعرفت عندهم ب «جمعة هرقل»، وتقدّم هرقل بعمارة الكنائس والديارات، وأنفق فيها مالا كبيرا (١).

وفي أيّامه أقيم أدراسلون (a)، بطرك اليعاقبة بالإسكندرية، فأقام ستّ سنين، ومات في ثامن طوبة، فخربت الدّيارات في مدّة بطركيته (٢). وأقيم بعده على اليعاقبة بنيامين، فعمّر الدّير الذي يقال له «دير أبو بشاي» و «دير سيّدة أبو بشاي»، وهما في وادي هبيب، فأقام تسعا وثلاثين سنة، ملك الفرس منها مصر عشر سنين (٣).

ثم قدم هرقل فقتل الفرس بمصر، وأقام قيرش بطرك الإسكندرية - وكان منانيّا - وطلب بنيامين ليقتله فلم يقدر عليه لفراره منه (٤). وكان هرقل مارونيّا، فظفر بمينا أخي بنيامين، فأحرقه بالنار عداوة لليعاقبة، وعاد إلى القسطنطينية. فأظهر اللّه دين الإسلام في أيّامه، وخرج ملك مصر والشّام من يد النصارى، وصار النصارى ذمّة للمسلمين.

فكانت مدّة النصارى منذ رفع المسيح إلى أن فتحت مصر، وصار النصارى من القبط ذمّة للمسلمين (b) منها مدّة كونهم تحت أيدي الرّوم يقتلونهم أبرح قتل بالصّلب والتّحريق بالنار والرّجم بالحجارة وتقطيع الأعضاء (b) ومنها مدّة استيلائهم بتنصّر الملوك (b).


(a) كذا في النسخ، والصواب كما في تاريخ بطاركة الكنيسة: أندرونيقوس.
(b) بياض في الأصول.
(١) سعيد بن البطريق ٥: ٢ - ٧، ونشرة Breydy ١٢٧ - ١٣٠.
(٢) ساويرس بن المقفع: تاريخ بطاركة الكنيسة PO I. (١٩٠٧)، pp. ٤٨٤ - ٨٦ L ٢
(٣) Ibid.، pp. ٤٨٧ - ٥١٨.
(٤) Ibid.، pp. ٤٩٣.