محاربة النصارى وتخريب كنائسهم، وأقبلوا نحو الفرس من طبريّة وجبل الجليل وقرية الناصرة ومدينة صور وبلاد المقدس، فنالوا من النصارى كلّ منال، وأعظموا النكاية فيهم، وخرّبوا لهم كنيستين بالقدس (١)، وحرّقوا أماكنهم، وأخذوا قطعة من عود الصّليب، وأسروا بطرك القدس وكثيرا من أصحابه. ثم مضى كسرى بنفسه من العراق لغزو قسطنطينيّة، تخت ملك الرّوم، فحاصرها أربع عشرة سنة (٢).
وفي أيّام فوقا أقيم يوحنّا الرّحوم، بطرك الإسكندرية، على الملكيّة. فدبّر أرض مصر كلّها عشر سنين، ومات بقبرس وهو فارّ من الفرس. فخلا كرسي إسكندرية من البطركية سبع سنين، لخلوّ أرض مصر والشّام من الرّوم، واختفى من بقي بها من النصارى خوفا من الفرس (٣).
وقدّم اليعاقبة نسطاسيوس بطركا، فأقام اثنتي عشرة سنة، ومات في ثاني عشرين كيهك سنة ثلاثين وثلاث مائة لدقلطيانوس، فاستردّ ما كانت الملكية قد استولت عليه من كنائس اليعاقبة، ورمّ ما شعّثه الفرس منها. وكانت إقامته بمدينة الإسكندرية، فأرسل إليه أثناسيوس بطرك أنطاكية هديّة صحبة عدّة كثيرة من الأساقفة، ثم قدم عليه زائرا، فتلّقاه وسرّ بقدومه، وصارت أرض مصر في أيّامه جميعها يعاقبة لخلوّها من الرّوم.
فثارت اليهود في أثناء ذلك بمدينة صور، وراسلوا بقيّتهم في بلادهم، وتواعدوا على الإيقاع بالنصارى وقتلهم. فكانت بينهم حرب اجتمع فيها من اليهود نحو عشرين ألفا، وهدموا كنائس النصارى خارج صور فقوي النصارى عليهم وكاثروهم، فانهزم اليهود هزيمة قبيحة، وقتل منهم خلق كثير (٤).
وكان هرقل قد ملك الرّوم بقسطنطينية، وغلب الفرس بحيلة دبّرها على كسرى حتى رحل عنهم، ثم سار من قسطنطينية ليمهّد ممالك الشّام ومصر، ويجدّد ما خرّبه الفرس منها. فخرج إليه اليهود من طبريّة وغيرها، وقدّموا له الهدايا الجليلة، وطلبوا منه أن يؤمّنهم، ويحلف لهم على ذلك، فأمّنهم وحلف لهم (٥).
(١) هما: كنيسة الجسمانية، وكنيسة إلينة. (٢) ابن البطريق: التاريخ المجموع ٢١٦: ١، ونشرة Breydy ١١٨ - ١١٩. (٣) نفسه ٢١٦: ١ - ٢١٧، ٢١٨، ونشرة Breydy ١١٩ - ١٢١. (٤) نفسه ٢١٨: ١ - ٢١٩، ونشرة Breydy ١٢٢. (٥) نفسه ٢: ٢ - ٤، ونشرة Breydy ١٢٤ - ١٢٧.