للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[ذكر مدينة العقاب]

قال المسعودي: مدينة العقاب غربيّ أهرام بوصير الجيزة (a)، على مسيرة خمسة أيّام بلياليها للرّاكب المجدّ، وقد غور طريقها، وعمي المسلك إليها والسّمت الذي يؤدّي نحوها، وفيها عجائب البنيان والجواهر والأموال (١).

وقال ابن وصيف شاه (٢): وكان الوليد بن دومغ العمليقيّ قد خرج في جيش كثيف يتنقّل في البلدان ويقهر ملوكها، فلمّا صار بالشّام وجّه غلاما له يقال له عون، فسار إلى مصر وفتحها، ثم سار فتلقّاه عون ودخل مصر فاستباح أهلها. ثم سنح له أن يقف على مصبّ النّيل، فخرج في جيش كثيف، واستخلف عونا على مصر، وأقام في غيبته أربعين سنة.

وإنّ عونا، بعد سبع سنين من مسيره، تجبّر وادّعى أنّه الملك، وأنكر أن يكون غلام الوليد وإنّما هو أخوه، وغلب بالسّحر، وسبى الحرائر، فمال الناس إليه، ولم يدع امرأة من بنات ملوك مصر إلاّ نكحها، ولا مالا إلاّ أخذه وقتل صاحبه. وهو مع ذلك يكرم الكهنة، ويعظّم الهياكل (b).

فاتّفق أنّه رأى الوليد في منامه وهو يقول له: من أمرك أن تتسمّى باسم الملك، وقد علمت أنّه من فعل ذلك استحقّ القتل؟ ونكحت بنات الملوك، وأخذت الأموال بغير واجب. ثم أمر بقدر ملئت زيتا، وأحميت حتى غلت، ونزع ثيابه ليلقيه فيها، فأتاه عقاب فاختطفه وحلّق به في الجوّ، وجعله في هوّة على رأس جبل، فسقط إلى واد فيه حمأة منتنة (c). فانتبه مرعوبا، وقصّ ذلك على كهنته، فقالوا: نحن نخلّصك منه بأن تعمل عقابا وتعبده، فإنّه الذي خلّصك في نومك؛ فقال: أشهد لقد قال لي: اعرف لي هذا المقام ولا تنسه.

فعمل عقابا من ذهب، وجعل عينيه جوهرتين، ووشحّه بالجوهر، وعمل له هيكلا لطيفا، وأرخى عليه ستور الحرير، وأقبلوا على تبخيره وقربانه حتى نطق لهم، فأقبل عون على عبادته، ودعا الناس إلى ذلك فأجابوه.


(a) بولاق: أبو صير بالجيزة، المسعودي: بوصير والجيزة.
(b) النويري نقلا عن ابن وصيف شاه: وكان مع ذلك يلزم الهياكل ويكرم الكهنة.
(c) النويري: واد فيه حية.
(١) المسعودي: مروج الذهب ٧٨: ٢.
(٢) النويري: نهاية الأرب ١١٥: ١٥ - ١١٨.