عندما بدأت في جمع مخطوطات كتاب «المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار» للمقريزي لأنتقي منها الأصول الصّحيحة التي سأعتمد عليها في إخراج نصّ صحيح تامّ للكتاب، لم ألبث أن وجدت أنّ مخطوطات هذا الكتاب المحفوظة في مختلف مكتبات العالم تمثّل عددا هائلا مخيفا مثبّطا لهمّة أكثر الباحثين حميّة ونشاطا؛ فعدد نسخه الموجودة يتعدّى المائة وثمانين نسخة، سواء النّسخ الكاملة أو الأجزاء والقطع. وتحتوي مكتبات إستانبول والأناضول وحدها على أكثر من خمس وثلاثين نسخة والمكتبة البريطانية على أربع عشرة نسخة والمكتبة الوطنية في باريس على ثمان وعشرين نسخة، بينما تمتلك دار الكتب المصرية خمس عشرة نسخة فقط.
كان لابد من اختيار أكثر هذه النّسخ أصالة واكتمالا وقربا من زمن المؤلّف، خاصّة وأنّ جاستون فييت Gaston Wiet عندما بدأ في نشر هذا الكتاب منذ أكثر من تسعين عاما، سنة ١٩١١ م، وجد أنّ أكثر النّسخ التي رجع إليها تقدّم للقارئ حشدا ضخما من أخطاء النّسّاخ وتصحيفاتهم، فالكتاب مليء بأسماء الأعلام الأعجمية وبالمصطلحات الغريبة التي شوّهها وحرّفّها وصحّفها النّسّاخ بطريقة فاحشة مضجرة، كما أنّ عائلة النّسخ التي اعتمدت عليها طبعة بولاق - التي لا نعرف عن أصولها أي شيء - هي أسوأ عائلات نسخ الكتاب حيث جاءت - إلى جانب كثرة التّصحيف والتّحريف - مليئة بالسّقط وأحيانا بالتّلفيق. حقيقة أنّ جاستون فييت استند في القسم الذي أخرجه على أصحّ المخطوطات المعروفة في وقته، وبينها ما نقل من خطّ المؤلّف كما سأوضّح بعد قليل، وقام بعمل هام، إلاّ أنّه أرهق نفسه وأرهق قارءه بإثباته لفروق النّسخ والقراءات المختلفة التي وجدها، رغم أنّ جميعها لا يعدو أن يكون تصحيفات وتحريفات من عمل النّسّاخ، ممّا دفعه في نهاية الأمر إلى إيقاف مشروعه، كما أنّ نشرته نادرة الوجود ولا تشتمل إلاّ على نحو ربع الكتاب فقط الذي تناول فيه المقريزي تاريخ مصر القديم وأسماء المدن المصرية، والصّفحات الأولى من الجزء الثاني من أصل الكتاب المخصّص لمدن الفسطاط والعسكر والقطائع. أي أنّ نشرته لم تصل إلى الأقسام المتعلّقة بتاريخ القاهرة وقلعة الجبل وتحديد مواضع الحارات والأخطاط والحمّامات والأسواق والدّور والخانات، ووصف الجوامع والمساجد والمدارس والخوانق التي تعدّ أساس الكتاب وصلبه. لذلك لم