قال: والمدّ كلّه واحد، وهو أنّ القمر يقابل الماء كما تقابل الشّمس الأرض. فنور القمر إذا قابل كرة الأرض سخّنها، كما تسخّن الشّمس الهواء المحيط، فيعتري الهواء المحيط بالماء بعض تسخين يذيب الماء، فيفيض وينمى بخاصّته، كالمرآة المحرقة الملهبة للجوّ حتى تحرق القطنة الموضوعة بين المرآة والشّمس؛ فهذا مثاله في المقابلة.
ومثاله في المسرار كون الزّجاجة المملوءة ماء يلقى الشّعاع إلى حلقها فتحترق القطنة أيضا، فالقمر جسم نوريّ باكتسابه ذلك من الشّمس، فإذا حال بين الشّمس والأرض خرج عن جانبي الماء شعاع نافذ يمرّ مع جنبي الماء فيسخّن ما قابله فينمو، والماء جسم شفّاف عن جانبيه/ يخرج الشّعاع كما يخرج عن جانبي الزّجاجة، فيحدث لها نور يسخّن الهواء الذي يحيط بالزّجاجة أو بالأرض، فيعتري الماء شبه تسخين ينمى به ويزيد، وذلك قبالة القرص، وقبالة مخرج الشّعاع من قبالة وتد القمر. فهذا هو المدّ دائما، ويستدير باستدارة الفلك وتدويره لفلك القمر، وتدوير فلك القمر للقمر.
والمدّ الشّهري هو أن يقابل القمر الشّمس أو يستتر تحتها، لأنّه ليس إلاّ كون القمر قبالة الشّمس، لكونه في تربيع الشّمس أضعف، وفي المقابلة أقوى. وكذلك إذا قابلها على وسط كرة الأرض، بحيث تكون الحركة أشدّ، والاكتناف للماء والأرض أعمّ، فذلك هو المدّ السّنوي.
فصل في الرّد على من اعتقد أنّ النّيل من سيل يفيض
أمّا العامّة فليس عندهم ما يجيء على وجه الأرض أنّه سيل، ومن تفطّن إلى عظمه واتّساعه في أسفله وضيقه في أعلاه، ولم ينظر إلى ماء ولا أرض ولا هواء، نسب ذلك إلى الخيال المحض، كما فعل صاحب كتاب «المسالك والممالك»(١) الذي زعم أنّ الماء يسافر من كلّ أرض وموطن إلى النّيل تحت الأرض فيمدّه، لأنّ النّيل إنّما يفيض في الخريف، والعيون والآبار في ذلك الوقت يقلّ ماؤها، والنّيل يكثر، فرأوا كثرة وقلّة فأضافوا أحدهما إلى الآخر بالخيال.
(١) لم يحدد المقريزي هنا مؤلف كتاب «المسالك والممالك» المقصود، ولم أجد بدوري هذا النص وما ينقله منه بعد ذلك في كتب المسالك والممالك التي وصلت إلينا، سواء للإصطخري أو ابن خرداذبة أو ابن حوقل أو البكري!