وكان مع اشتغاله بالعبادة واستغراق أوقاته فيها لا يغفل عن صاحبه، ولا ينسى حاجته حتى يقضيها، ويلازم الوفاء لأصحابه ويحسن معاشرتهم، ويعرف أحوال النّاس على طبقاتهم، ويعظّم العلم، ويكرم الأيتام، ويشفق على الضّعفاء والأرامل، ويبذل شفاعته في قضاء حوائج الخاصّ والعامّ من غير أن يملّ ولا يتبرّم بكثرة ذلك، ويكثر من الإيثار في السّرّ، ولا يمسك لنفسه شيئا، ويستقلّ ما منّه مع كثرة إحسانه، ويستكثر ما يدفع إليه وإن كان يسيرا، ويكافئ عليه بأحسن منه. ولم يصحب قطّ أميرا ولا وزيرا، بل كان في سلوكه وطريقه يرفع في تواضع، ويعزّز مع مسكنة، وقرب في ابتعاد، واتّصال في انفصال، وزهد في الدّنيا وأهلها. وكان أكبر من خبره.
/ ومن دعائه لنفسه، ولمن يسأل له الدّعاء:«اللّهم بعّدنا عن الدّنيا وأهلها، وبعّدها عنّا».
وما زال على ذلك إلى أن مات آخر ليلة أسفر صباحها عن الثامن من شهر ربيع الآخر سنة خمس وتسعين وست مائة، وترك ولدين ليس لهما قوت ليلة، وعليه مبلغ ألفي درهم دينا، ودفن بجوار الجامع، وقبره يزار إلى يومنا هذا.
[ذكر شطا]
شطا مدينة عند تنّيس ودمياط، وإليها تنسب الثّياب الشّطويّة (١). ويقال إنّها عرفت بشطا بن الهاموك، وكان أبوه خال المقوقس، وكان على دمياط، فلمّا فتح اللّه الحصن على يد عمرو بن العاص، واستولى على أرض مصر، جهّز بعثا لفتح دمياط، فنازلوها إلى أن ملكوا سور المدينة، فخرج شطا في ألفين من أصحابه ولحق بالمسلمين؛ وقد كان قبل ذلك يحبّ الخير ويميل إلى ما يسمعه من سيرة أهل الإسلام.
ولمّا ملك المسلمون دمياط، امتنع عليهم صاحب تنّيس، فخرج شطا إلى البرلّس والدّميرة وأشموم طناح يستنجد، فجمع الناس لقتال أهل تنّيس، وسار بهم مع من كان بدمياط من المسلمين ومن قدم مددا من عند عمرو بن العاص إلى قتال أهل تنّيس. فالتقى الفريقان، وأبلى شطا فيهم (a)
(a) بولاق: منهم. (١) إحدى مدن مركز فارسكور بمحافظة دمياط (ياقوت: معجم البلدان ٣٤٢: ٣ - ٣٤٣؛ محمد رمزي: القاموس الجغرافي ٢٤٣: ١/ ٢).