للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

واتّفق أنّ المماليك البحرية لمّا خرجوا من القاهرة هاربين، في سنة اثنتين وخمسين وست مائة (١)، مرّ طائفة منهم بالتّيه فتاهوا فيه خمسة أيام، ثم تراءى لهم في اليوم السادس سواد على بعد، فقصدوه فإذا مدينة عظيمة لها سور وأبواب كلّها من رخام أخضر، فدخلوا بها وطافوا بها فإذا هي قد غلب عليها الرّمل حتى طمّ أسواقها ودورها، ووجدوا بها أواني وملابس، وكانوا إذا تناولوا منها شيئا تناثر من طول البلى. ووجدوا في صينيّة بعض البزّازين تسعة دنانير ذهبا، عليها صورة غزال وكتابة عبرانية، وحفروا موضعا، فإذا حجر على صهريج ماء فشربوا منه ماء أبرد من الثّلج. ثم خرجوا ومشوا ليلة، فإذا بطائفة من العربان حملوهم إلى مدينة الكرك، فدفعوا الدّنانير لبعض الصّيارفة، فإذا عليها أنّها ضربت في أيّام موسى ، ودفع لهم في كلّ دينار مائة درهم (٢).

وقيل لهم إنّ هذه المدينة الخضراء من مدن بني إسرائيل، ولها طوفان رمل يزيد تارة وينقص أخرى، لا يراها إلاّ تائه.

[ذكر مدينة دمياط]

اعلم أنّ دمياط كورة من كور أرض مصر بينها وبين تنّيس اثنا عشر فرسخا؛ ويقال سمّيت بدمياط من ولد أشمن بن مصرايم بن بيصر بن حام بن نوح ؛ ويقال إنّ إدريس كان أوّل ما أنزل عليه ذو القوّة والجبروت: أنا اللّه مدين المدائن، الفلك بأمري وصنعي، أجمع بين العذب والملح والنّار والثّلج، وذلك بقدرتي ومكنون علمي الدال والميم والألف والطّاء.

قيل هم بالسّريانية دمياط، فتكون دمياط كلمة سريانية أصلها دمط: أي القدرة، إشارة إلى مجمع العذب والمالح (٣).


(١) انظر فيما يلي ٣٨٣: ١.
(٢) ابن أبيك: كنز الدرر ٢٦: ٨ - ٢٨؛ المقريزي: السلوك ٣٩١: ١؛ ويرى كاترمير أن المدينة التي مرّ بها هؤلاء المماليك هي مدينة البتراء Quatremere، E.، Histoire des Sultans Mamlouks de l'Egypte، I/ ١ p. ٤٩، n.
(٧١
(٣) دمياط: من ثغور مصر القديمة تقع على الشاطئ الشرقي لفرع دمياط وبينها وبين مصب هذا الفرع في البحر المتوسط ١٥ كيلومترا. وكانت دمياط الأصلية واقعة في الجهة الشمالية من دمياط الحالية ونقلت إلى مكانها الحالي من سنة ٦٣٣ هـ (أبو عبيد البكري: جغرافية مصر ٨٩ - ٩٠؛ مجهول: الاستبصار ٨٨؛ ياقوت: معجم البلدان