وجميع الأماكن التي تعرف اليوم بمراغة مصر وبالجرف إلى الخليج عرضا، ومن حيث قنطرة السّدّ إلى سوق المعاريج طولا، كان غامرا بماء النّيل، إلى أن انحسر عنه ماء النّيل بعد سنة ستّ مائة من سني الهجرة، فصار رملة. ثم اختطّ فيه الأمراء ممّا يلي النّيل آدرّا عند ما عمّر الملك الصّالح نجم الدين أيّوب قلعة الرّوضة (١)، واختطّ بعضه شونا إلى أن أنشأ الملك النّاصر محمد بن قلاوون جامعه المعروف بالجامع/ الجديد النّاصريّ، ظاهر مصر، فعمر ما حوله (٢).
وقد كان عند فتح مصر سائر المواضع التي من منشأة المهراني إلى بركة الحبش طولا، ومن ساحل النّيل بموردة الحلفاء، وتجاه الجامع الجديد إلى سوق المعاريج، وما على سمته إلى تجاه المشهد الذي يقال له مشهد الرّأس - وتسمّيه العامّة اليوم مشهد زين العابدين - كلّها بحرا لا يحول بين الحصن والجامع، وما على سمتهما إلى الحمراء الدّنيا التي منها اليوم خطّ قناطر السّباع، وبين جزيرة مصر التي تعرف اليوم بالرّوضة، شيء سوى ماء النّيل. وجميع ما في هذه المواضع من الأبنية، انكشف عنه النّيل قليلا قليلا (٣)، واختطّ على ما يتبيّن لك في هذا الكتاب.
ذكر الحصن الذي يعرف بقصر الشّمع
اعلم أنّ هذا القصر أحدث بعد خراب مصر على يد بخت نصّر، وقد اختلف في الوقت الذي بني فيه ومن أنشأه من الملوك، (a) فذكر الواقديّ أنّ الذي بناه اسمه الرّيّان بن الوليد بن أرسلاوس (٤).
وكان هذا القصر يوقد عليه الشّمع في رأس كلّ شهر، وذلك أنّه إذا حلّت الشّمس في برج من البروج، أوقد في تلك الليلة الشّمع على رأس ذلك القصر، فيعلم النّاس بوقود الشّمع أنّ الشّمس انتقلت من البرج الذي كانت فيه إلى برج آخر غيره.
فلم (b) يزل القصر على حاله إلى أن خربت مصر زمن بخت نصّر بن نيروز الكلداني، فأقام خرابا خمس مائة سنة، ولم يبق منه إلاّ أثره فقط؛ فلمّا غلب الرّوم على مصر وملكوها من أيدي
(a) (a-a) غير موجود في ظ. (b) بولاق: ولم. (١) انظر فيما يلي ١٨٣: ٢ - ١٨٥. (٢) انظر فيما يلي ٣٠٤: ٢. (٣) عن انحسار ماء النيل وانتقاله غربا انظر فيما يلي ١٥٨ - ١٦٣. (٤) الواقدي: فتوح مصر والإسكندرية ٤١.