للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

ويذكر علماء الأخبار من النصارى (١): أنّ أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب لمّا فتح مدينة القدس، كتب للنصارى «أمانا» على أنفسهم وأولادهم ونسائهم وأموالهم، وجميع كنائسهم لا تهدم ولا تسكن، وأنّه جلس في وسط صحن كنيسة القمامة، فلمّا حان وقت الصّلاة خرج وصلّى خارج الكنيسة على الدّرجة التي على بابها بمفرده، ثم جلس وقال للبطرك:

لو صلّيت داخل الكنيسة لأخذها المسلمون من بعدي، وقالوا: «هاهنا صلّى عمر». وكتب كتابا يتضمّن أنّه لا يصلّي أحد من المسلمين على الدّرجة إلاّ واحد واحد، ولا يجتمع المسلمون بها للصّلاة فيها، ولا يؤذّنون عليها، وأنّه أشار عليه البطرك باتّخاذ موضع الصّخرة مسجدا - وكان فوقها تراب كثير - فتناول عمر من التّراب في ثوبه، فبادر المسلمون لرفعه حتى لم يبق منه شيء، وعمّر المسجد الأقصى أمام الصّخرة (٢). فلمّا كانت أيّام عبد الملك ابن مروان، أدخل الصّخرة في حرم الأقصى، وذلك سنة خمس وستين من الهجرة (٣).

ثم إنّ عمر أتى بيت لحم، وصلّى في كنيسته عند الحنية (a) التي ولد فيها المسيح، وكتب سجلاّ بأيدي النصارى أن لا يصلّي في هذا الموضع أحد من المسلمين إلاّ رجل بعد رجل، ولا يجتمعوا فيه للصّلاة، ولا يؤذّنوا عليه (٤).

ولمّا مات البطرك بنيامين في سنة تسع وثلاثين من الهجرة بالإسكندرية، في إمارة عمرو الثّانية، قدّم اليعاقبة بعده أغانو (b)، فأقام سبع عشرة سنة، ومات سنة ستّ وخمسين (٥). وهو الذي بنى كنيسة مرقص بالإسكندرية، فلم تزل إلى أن هدمت في سلطنة الملك العادل أبي بكر ابن أيّوب. وكان في أيّامه الغلاء مدّة ثلاث سنين، وكان يهتمّ بالضّعفاء.


(a) بولاق: الخشبة.
(b) كذا في النسخ، وعند ساويرس بن المقفع: أغاتون.
(١) يقصد بذلك سعيد بن البطريق (أوتيخيوس) والمكين جرجس بن العميد اللذين أوردا نصّ الأمان الذي أعطاه الخليفة عمر بن الخطّاب لصفرونيوس بطرك بيت المقدّس، والذي قدّم المقريزي هنا ملخّصا لمحتواه. (وفيما يلي ١٠٥٨).
(٢) سعيد بن البطريق: التاريخ المجموع ١٧: ٢ - ١٨، وفيه: «وهي الصّخرة التي كلّم اللّه يعقوب عليها، وسمّاها يعقوب «باب السّماء» وسمّاه بنو إسرائيل «قدس الأقداس»؛ المكين بن العميد: تاريخ المسلمين ٢٨ - ٢٩.
(٣) نفسه ٣٩: ٢؛ نفسه ٥٨.
(٤) نفسه ١٨: ٢؛ نفسه ٢٨ - ٢٩.
(٥) ساويرس بن المقفع: تاريخ بطاركة الكنيسة PO V. (١٩١٠)، pp. ٣ - ١٠