خلقا كثيرا. وأدرك الناس الشّتاء، وهاج البحر على مخيّم المسلمين وغرّقهم، فعظم البلاء وتزايد الغمّ. وألحّ الفرنج في القتال، وكادوا أن يملكوا، فبعث اللّه ريحا قطعت مراسى مرمّة الفرنج - وكانت من عجائب الدّنيا - فمرّت إلى برّ المسلمين فأخذوها، فإذا هي مصفّحة بالحديد لا تعمل فيها النّار، ومساحتها خمس مائة ذراع، فكسروها فإذا فيها مسامير زنة الواحد منها خمسة وعشرون رطلا.
وبعث الكامل إلى الآفاق سبعين رسولا، يستنجد أهل الإسلام لنصرة المسلمين، ويخوّفهم من غلبة الفرنج على مصر. فساروا في شوّال، وأتته النّجدات من حماة وحلب.
وبينا الناس في ذلك، إذ طمع الأمير عماد الدين أحمد ابن الأمير سيف الدين أبي الحسين عليّ بن أحمد الهكّاري المعروف بابن المشطوب في الملك الكامل عندما بلغه موت الملك العادل.
وكان له لفيف ينقادون إليه ويطيعونه، وكان أميرا كبيرا مقدّما عظيما في الأكراد الهكّارية، وافر الحرمة عند الملوك، معدودا بينهم مثل واحد منهم. وكان مع ذلك عالي الهمّة، غزير الجود، واسع الكرم، شجاعا، أبيّ النّفس، تهابه الملوك، وله الوقائع المشهورة. وهو من أمراء الدولة الصلاحية يوسف (a). فاتّفق مع جماعة من الجند والأكراد على خلع الملك الكامل، وإقامة أخيه الملك الفائز إبراهيم ليصير له الحكم. ووافقه الأمير عزّ الدين الحميدي، والأمير أسد الدين الهكّاري، والأمير مجاهد الدين وجماعة من الأمراء.
فلمّا بلغ ذلك الملك الكامل، دخل عليهم وهم مجتمعون والمصحف بين أيديهم ليحلفوا للفائز، فلمّا رأوه انفضّوا، فخشي على نفسه وخرج (b).
فاتّفق وصول الصّاحب صفيّ الدين بن شكر من آمد إلى الملك الكامل - فإنّه كان استدعاه بعد موت أبيه - فتلقّاه وأكرمه وذكر له ما هو فيه، فضمن له تحصيل المال. فلمّا كان في اللّيل ركب الملك الكامل وتوجّه من العادلية في جريدة إلى أشموم طناح، فنزلها. وأصبح العسكر بغير سلطان، فركب كلّ منهم هواه، ولم يعطف الأخ على أخيه، وتركوا أثقالهم/ وخيامهم وأموالهم وأسلحتهم، ولحقوا بالسّلطان. فبادر الفرنج في الصّباح إلى مدينة دمياط، ونزلوا البرّ الشرقيّ يوم الثلاثاء سادس عشر ذي القعدة بغير منازع ولا مدافع، وأخذوا سائر ما كان في عسكر المسلمين وكان شيئا لا يحيط به الوصف. وداخل السّلطان وهم عظيم، وكاد أن يفارق البلاد، فإنّه تخيّل من جميع من معه.