للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

واهتمّ الملك لنزول الفرنج على دمياط واشتدّ خوفه، فرحل من مرج الصّفّر إلى غالقين، فنزل به المرض ومات في سابع جمادى الآخرة. فكتم الملك المعظّم عيسى موته، وحمله في محفّة وجعل عنده خادما وطبيبا راكبا إلى جانب المحفّة، والشّراب دار يصلح الشّراب ويحمله إلى الخادم فيشربه، ويوهم النّاس أنّ السّلطان شربه، إلى أن دخلوا به إلى قلعة دمشق، وصارت إليها الخزائن والبيوتات، فأعلن بموته وتسلّم ابنه الملك المعظّم جميع ما كان معه، ودفنه بالقلعة، ثم نقله إلى مدرسة العادلية بدمشق.

وبلغ الملك الكامل موت أبيه وهو بمنزلة العادلية قرب دمياط، فاستقلّ بمملكة ديار مصر.

واشتدّ الفرنج وألحّوا في القتال حتى استولوا على برج السّلسلة، وقطعوا السّلاسل المتّصلة به لتجوز مراكبهم في بحر النّيل ويتمكّنوا من البلاد. فنصب الملك الكامل بدل السّلاسل جسرا عظيما لمنع الفرنج من عبور النّيل، فقاتلت الفرنج عليه قتالا شديدا إلى أن قطعوه، وكان قد أنفق على البرج والجسر ما ينيف على سبعين ألف دينار.

وكان الكامل يركب في كلّ يوم عدّة مرار من العادلية إلى دمياط لتدبير الأمور، وإعمال الحيلة في مكايدة الفرنج. فأمر الملك الكامل أن يفرّق عدّة من المراكب في النّيل حتى تمنع الفرنج من سلوك النّيل. فعمد الفرنج إلى خليج هناك يعرف بالأزرق، كان النّيل يجري فيه قديما، فحفروه وعمّقوا حفره وأجروا فيه الماء إلى البحر الملح، وأصعدوا مراكبهم فيه إلى بورة على أرض جيزة دمياط، مقابل المنزلة التي بها السّلطان ليقاتلوه من هناك. فلمّا صاروا في بورة جاءوه وقاتلوه في الماء، وزحفوا إليه عدّة مرار فلم يظفروا منه بطائل.

ولم يتغيّر على أهل دمياط شيء، لأنّ الميرة والأمداد متّصلة إليهم، والنّيل يحجز بينهم وبين الفرنج، وأبواب المدينة مفتّحة، وليس عليها من الحصر ضيق ولا ضرر، والعربان تتخطّف الفرنج في كلّ ليلة بحيث امتنعوا الرّقاد (a) خوفا من غاراتهم، فلمّا قوي طمع العرب في الفرنج حتى صاروا يخطفونهم نهارا، ويأخذون الخيم بمن فيها، أكمن الفرنج لهم عدّة كمناء وقتلوا منهم


(a) بولاق: من الرقاد. عندما نزلوا دمياط في هذه السنة. ذكرها محمد رمزي تابعة لمركز فارسكور بمحافظة الدقهلية (القاموس الجغرافي ٢/ ٢٤٢: ١)، وهي في التقسيم الإداري الحالي تابعة لمحافظة دمياط.