للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وشرعوا في قتال برج دمياط، فإنّه كان برجا منيعا فيه سلاسل من حديد غلاظ تمدّ على النّيل لتمنع المراكب الواصلة في البحر الملح من الدّخول إلى ديار مصر في النّيل. وذلك أنّ النّيل إذا انتهى إلى فسطاط مصر مرّ عليه في ناحية الشّمال إلى شطنوف، فإذا صار إلى شطنوف انقسم قسمين: أحدهما يمرّ في الشّمال إلى رشيد فيصبّ في البحر الملح، والشّطر الآخر يمرّ من شطنوف إلى جوجر؛ ثم يتفرّق من عند جوجر فرقتين: فرقة تمرّ إلى أشموم فتصبّ في بحيرة تنّيس، وفرقة تمرّ من جوجر إلى دمياط فتصبّ في البحر الملح هناك. وتصير هذه الفرقة من النّيل فاصلة بين مدينة دمياط والبرّ الغربي (١).

وهذا البرّ الغربي من دمياط يعرف بجزيرة دمياط، يحيط بها ماء النّيل والبحر الملح. وفي مدّة إقامة الفرنج بهذا البرّ الغربي، عملوا الآلات والمرمّات (a) (٢)، وأقاموا أبراجا يزحفون بها/ في المراكب إلى برج السّلسلة ليملكوه، فإنّهم إذا ملكوه تمكّنوا من العبور في النّيل إلى القاهرة ومصر. وكان هذا البرج مشحونا بالمقاتلة، فتحيّل الفرنج عليه، وعملوا برجا من الصّواري على بسطة كبيرة، وأقلعوا بها حتى أسندوها إليه وقاتلوا من به حتى أخذوه.

فبلغ نزول الفرنج على دمياط الملك الكامل - وكان يخلف أباه الملك العادل على ديار مصر - فخرج بمن معه من العساكر في ثالث يوم من وقوع الطّائر بخبر نزول الفرنج لخمس خلون منه، وأمر والي الغربيّة بجمع العربان، وسار في جمع كبير.

وخرج الأسطول فأقام تحت دمياط، ونزل السّلطان بمن معه من العساكر بمنزلة العادلية (٣) قرب دمياط، وامتدّت عساكره إلى دمياط لتمنع الفرنج من السّور، والقتال مستمرّ والبرج ممتنع مدّة أربعة أشهر. والعادل يسيّر العساكر من البلاد الشّامية شيئا بعد شيء، حتى تكاملت عند الملك الكامل.


(a) بولاق: والمراسي والمثبت من النسخ ومفرج الكروب.
(١) انظر فيما تقدم ١٦٦ الحديث عن تحول الدلتا المصرية، وأن شطنوف كانت في هذا الزمان هي رأس الدلتا.
(٢) مرمّة ج. مرمّات: نوع من السفن الحربية الكبيرة يظهر أنها من أصل إيطالي Maremma وهي اسم ناحية في إيطاليا، تردّد ذكرها في المصادر التاريخية لهذه الفترة (المقريزي: السلوك ١٨٩: ١، ٣٤٨؛ ابن واصل: مفرج الكروب ٢٦٠: ٣ هامش ١؛ درويش النخيلي: السفن الإسلامية ١٤٠ - ١٤١).
(٣) العادلية من القرى القديمة أسّسها الملك العادل أبو بكر ابن أيوب سنة ٦١٤ ليتخذها قاعدة يواجه منها الفرنج