وأتقنت السّلسلة التي بين البرجين، فبلغت النّفقة على ذلك ألف ألف دينار. واعتبر السّور، فكان قياسه أربعة آلاف وستّ مائة وثلاثين ذراعا (١).
وفي سنة ثمان وثمانين وخمس مائة، أمر السّلطان بقطع أشجار بساتين دمياط وحفر خندقها، وعمل جسر عند سلسلة البرج (٢).
وفي سنة خمس عشرة وستّ مائة، كانت واقعة دمياط العظمى (٣)؛ وكان سبب هذه الواقعة أنّ الفرنج في سنة أربع عشرة وستّ مائة تتابعت أمدادهم من رومية الكبرى مقرّ البابا ومن غيرها من بلاد الفرنج. وساروا إلى مدينة عكّا فاجتمع بها عدّة من ملوك الفرنج، وتعاقدوا على قصد القدس وأخذه من أيدي المسلمين، فصاروا بعكّا في جمع عظيم. وبلغ ذلك الملك أبا بكر بن أيّوب، فخرج من مصر في العساكر إلى الرّملة، فبرز الفرنج من عكّا في جموع عظيمة؛ فسار العادل إلى بيسان، فقصده الفرنج فخافهم لكثرتهم وقلّة عسكره، فأخذ على عقبة فيق يريد دمشق.
وكان أهل بيسان وما حولها قد اطمأنّوا لنزول السّلطان هناك، فأقاموا في أماكنهم. وما هو إلاّ أن سار السّلطان، وإذا بالفرنج قد وضعوا السّيف في النّاس، ونهبوا البلاد، فحازوا من أموال المسلمين ما لا يحصى كثرة، وأخذوا بيسان وبانياس وسائر القرى التي هناك وأقاموا ثلاثة أيام، ثم عادوا إلى مرج عكّا بالغنائم والسّبي، وهلك من المسلمين خلق كثير. فاستراح الفرنج بالمرج أيّاما، ثم عادوا ثانيا ونهبوا صيدا والشّقيف، وعادوا إلى مرج عكّا فأقاموا به. وكان ذلك كلّه فيما بين النّصف من شهر رمضان وعيد الفطر، والملك العادل مقيم بمرج الصّفّر، وقد سيّر ابنه المعظّم عيسى بعسكر إلى نابلس لمنع الفرنج من طروقها والوصول إلى بيت المقدس.
فنازل الفرنج قلعة الطّور سبعة عشر يوما ثم عادوا إلى عكّا؛ وعزموا على قصد الدّيار المصرية فركبوا بجموعهم البحر، وساروا إلى دمياط في صفر فنزلوا عليها يوم الثلاثاء رابع ربيع الأوّل سنة خمس عشرة وستّ مائة - الموافق لثامن حزيران - وهم نحو السبعين ألف فارس وأربع مائة ألف راجل، فخيّموا تجاه دمياط في البرّ الغربي، وحفروا على عسكرهم خندقا، وأقاموا عليه سورا؛
(١) المقريزي: السلوك ٧٤: ١. (٢) نفسه ١١١: ١. (٣) ينقل المقريزي خبر واقعة دمياط العظمى عن ابن واصل: مفرج الكروب ٢٥٤: ٣ - ٢٦١، ١٥: ٤ - ٢٠؛ وانظر كذلك ابن الأثير: الكامل ٣٢٣: ١٢ - ٣٣١؛ النويري: نهاية الأرب ٨٧: ٢٩ - ٩٣، ٩٤ - ٩٥؛ المقريزي: السلوك ١٨٨: ١ - ١٩١؛ ٢٠١ - ٢٠٣، ٢٠٥ - ٢١٠.