واشتدّ طمع الإفرنج (a) في أرض مصر كلّها، وظنّوا أنّهم قد ملكوها، إلاّ أنّ اللّه ﷾ أغاث المسلمين وثبّت السّلطان. ووافاه أخوه الملك المعظّم بأشموم طناح فاشتدّ به أزره وقوي جأشه، وأطلعه على ما كان من ابن المشطوب، فوعده بإزاحة ما يكره.
ثم إنّ المعظّم ركب إلى خيمة ابن المشطوب واستدعاه للركوب معه ومسايرته، فاستمهله حتى يلبس خفّيه وثياب الرّكوب فلم يمهله وأعجله. فركب معه وسايره حتى خرج به من العسكر الكاملي، ثم قال له: يا عماد الدين، هذه البلاد لك، وأشتهي أن تهبها لنا. وأعطاه نفقة، وسلّمه إلى جماعة من أصحابه يثق بهم، وقال لهم: أخرجوه من الرّمل، ولا تفارقوه حتى يخرج إلى (b) الشّام. فلم يسع ابن المشطوب إلاّ امتثال ما قال المعظّم، لأنّه معه بمفرده ولا قدرة له على الممانعة. فساروا به إلى حماة، ثم مضى منها إلى الشّرق (c).
ولمّا شيّع الملك المعظّم ابن المشطوب، رجع إلى الملك الكامل، وأمر أخاه الفائز إبراهيم أن يسير إلى ملوك الشّام في رسالة عن أخيه الملك الكامل لاستدعائهم إلى قتال الفرنج. فمضى إلى دمشق، وخرج منها إلى حماة فمات بها مسموما على ما قيل، فثبت للملك الكامل أمر الملك، وسكن روعه هذا والإفرنج (a) قد أحاطوا بدمياط برّا وبحرا، وأحدقوا وضيّقوا على أهلها، ومنعوا القوت من الوصول إليهم، وحفروا عليه عسكرهم المحيط بدمياط خندقا، وبنوا عليه سورا؛ وأهل دمياط يقاتلونهم أشدّ القتال، ويمانعونهم، وقد غلت عندهم الأسعار لقلّة الأقوات.
ثم إنّ المعظّم فارق الملك الكامل، وسار إلى بلاد الشّام؛ وأقام الكامل لمحاربة الفرنج وانتدب شمائل - أحد الجاندارية في الرّكاب - للدّخول إلى دمياط، فكان يسبح في الماء ويصل إلى أهل دمياط فيعدهم بوصول النّجدات. فحظي بذلك عند الكامل، وتقرّب منه حتّى عمله والي القاهرة، وإليه تنسب خزانة شمائل بالقاهرة (١).
فلم يزل الحال على ذلك إلى أن دخلت سنة ستّ عشرة، فجهّز الملك المنصور محمد بن عمرو بن شاهنشاه بن أيّوب صاحب حماة ابنه المظفّر تقيّ الدّين محمودا إلى مصر، نجدة لخاله
(a) بولاق: الفرنج. (b) بولاق: من. (c) بولاق: المشرق. (١) يستمر المقريزي في النقل عن ابن واصل: مفرج الكروب ١٧: ٤ - ٢٠؛ وعن خزانة شمائل انظر فيما يلي ١٨٨: ٢.