وفي السنة الثانية والعشرين من ملك قسطنطين، سارت أمّه هيلاني إلى القدس، وبنت به كنائس للنصارى، فدلّها مقاريوس الأسقف على الصّليب، وعرّفها ما عملته اليهود، فعاقبت كهنة اليهود حتى دلّوها على الموضع، فحفرته فإذا قبر وثلاث خشبات، زعموا أنّهم لم يعرفوا الصّليب المطلوب من الثّلاث خشبات، إلاّ بأن وضعت كلّ واحدة منها على ميّت قد بلي فقام حيّا عندما وضعت عليه خشبة منها. فعملوا لذلك عيدا، مدّة ثلاثة أيّام، عرف عندهم ب «عيد الصّليب».
ومن حينئذ عبد النصارى الصّليب، وعملت له هيلاني غلافا من ذهب، وبنت كنيسة القيامة - التي تعرف بكنيسة قمامة - وأقامت مقاريوس الأسقف على بناء بقيّة الكنائس، وعادت إلى بلادها. فكانت مدّة ما بين ولادة المسيح وظهور الصّليب/ ثلاث مائة وثمان وعشرين سنة (١).
ثم قام في بطركيّة الإسكندرية، بعد إسكندروس، تلميذه إثناسيوس الرّسولي، فأقام ستّا وأربعين سنة، ومات بعد ما ابتلي بشدائد، وغاب عن كرسيه ثلاث مرّات (٢).
وفي أيّامه جرت مناظرات طويلة مع أوسانيوس (a) للأسقف آلت إلى ضربه وفراره. فإنّه تعصّب لآريوس، وقال: إنّه لم يقل إنّ المسيح خلق الأشياء، وإنّما قال: به خلق كلّ شيء، لأنّه كلمة اللّه التي بها خلق السّموات والأرض، وإنّما خلق اللّه تعالى جميع الأشياء بكلمته، فالأشياء به كوّنت لا أنّه كوّنها، وإنّما الثلاث مائة وثمانية عشر تعدّوا عليه (٣).
وفي أيّامه تنصّر جماعة من اليهود، وطعن بعضهم في التّوراة التي بأيدي اليهود، وأنّهم نقصوا منها، وأنّ الصّحيحة هي التي فسّرها السّبعون (٤). فأمر قسطنطين اليهود بإحضارها، وعاقبهم
(a) ابن البطريق: أومانيوس. (١) سعيد بن البطريق: التاريخ المجموع ١٢٩: ١ - ١٣٠؛ القلقشندي: صبح الأعشى ٢٨٣: ١٣؛ وفيما تقدم ٧٢١: ١ - ٧٢٤. (٢) نفسه ١٣٠: ١. (٣) نفسه ١٣١: ١. (٤) التّوراة السّبعينيّة: هي التّوراة التي نقلت إلى اليونانية في عهد بطلميوس الثاني، Philadelphos الذي كان يشهد جلسات جوار الفلاسفة، فلفت انتباهه تفوّق طائفة معيّنة أعلنوا عن أنفسهم أنّهم يهود. فطلب الملك ترجمة التّوراة التي يستندون إليها في حوارهم. فبعث إلى أورشليم فأشخص منها سبعين رجلا من اليهود وأمرهم أن يفسّروا له التّوراة وكتب الأنبياء من العبرانية إلى اليونانية، وصيّر كلّ واحد منهم في بيت على حدة لينظر كيف يكون تفسير كلّ واحد منهم. تقول المصادر: إنّهم لمّا فسّروا الكتب نظر إلى -