تسعة أشهر، بل مرّ بأحشائها كمرور الماء بالميزاب. وهذا قول إليان ومن تبعه. ومنهم من قال:
المسيح بشر مخلوق، وإنّ ابتداء الابن من مريم، ثم إنّه اصطفي فصحبته النعمة الإلهية بالمحبّة والمشيئة، ولذلك سمّي ابن اللّه - تعالى عن ذلك - ومع ذلك فاللّه واحد قيّوم، وأنكر هؤلاء الكلمة والرّوح فلم يؤمنوا بهما. وهذا قول بولص السّيمساطي بطرك أنطاكية وأصحابه. ومنهم من قال: الآلهة ثلاثة: صالح، وطالح، وعدل بينهما؛ وهذا قول مرقيون وأتباعه. ومنهم من قال: المسيح وأمّه إلهان من دون اللّه. وهذا قول المرايمة من فرق النصارى (١). ومنهم من قال: بل اللّه خلق الابن - وهو الكلمة في الأزل - كما خلق الملائكة روحا طاهرة مقدّسة بسيطة مجرّدة عن المادّة، ثم خلق المسيح في آخر الزّمان من أحشاء مريم البتول الطاهرة، فاتّحد الابن المخلوق في الأزل بإنسان المسيح، فصارا واحدا. ومنهم من قال: الابن مولود من الأب قبل كلّ الدّهور غير مخلوق، وهو جوهر من جوهره ونور من نوره، وإنّ الابن اتّحد بالإنسان المأخوذ من مريم، فصارا واحدا وهو المسيح. وهذا قول الثلاث مائة وثمانية عشر.
فتحيّر قسطنطين في اختلافهم، وكثر تعجّبه من ذلك، وأمر بهم فأنزلوا في أماكن، وأجرى لهم الأرزاق، وأمرهم أن يتناظروا حتى يتبيّن له صوابهم من خطئهم. فثبت الثلاث مائة وثمانية عشر على قولهم المذكور، واختلف باقيهم. فمال قسطنطين إلى قول الأكثر، وأعرض عمّا سواه، وأقبل على الثلاث مائة وثمانية عشر، وأمر لهم بكراسي، وأجلسهم عليها، ودفع إليهم سيفه وخاتمه، وبسط أيديهم في جميع مملكته. فباركوا عليه، ووضعوا له كتاب «قوانين الملوك وقوانين الكنيسة»، وفيه ما يتعلّق بالمحاكمات والمعاملات والمناكحات، وكتبوا بذلك إلى سائر الممالك (٢).
وكان رئيس هذا المجمع: الإسكندروس بطرك (٣) الإسكندرية، وإسطارس بطرك أنطاكية،
(١) إلى هنا يتّفق مع نصّ سعيد بن البطريق: التاريخ المجموع ١٢٥: ١ - ١٢٦. (٢) النصّ عند سعيد بن البطريق: «ووضعوا له أربعين كتابا فيها السّنن والشّرائع، منها ما يصلح للملك أن يعملها ويعمل بها، ومنها ما يصلح للأساقفة أن يعملوا بما فيها». (التاريخ المجموع ١٢٧). (٣) حاشية بخطّ المؤلّف: «أصل هذه الكلمة بطريراك، وكانت تقال باللغة الرومية: أرسياروس ومعناها هنا: رئيس الآباء، ثم حوّلت من اللغة الرومية إلى اللغة القبطية فقيل: بطريرارك، ثم تلاعب بها العرب». أقول: وعند القلقشندي: «البطاركة جمع بطرك، وهي كلمة يونانية مركبّة من لفظين أحدهما: بطر ومعناه [بياض بالأصول] والثانية: يرك ومعناها [بياض بالأصول]. ورأيت في ترسّل العلاء بن الموصلايا، كاتب القائم بأمر اللّه -