للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وعمل «المجمع بمدينة نيقيه» (١)، وسببه: أنّ الإسكندروس، بطرك الإسكندرية، منع أريوس [Arius] من دخول الكنيسة وحرمه لمقاتلته، ونقل عن بطرس الشّهيد بطرك إسكندرية أنّه قال عن آريوس: إنّ إيمانه فاسد، وكتب بذلك إلى جميع البطاركة.

فمضى آريوس إلى الملك قسطنطين ومعه أسقفان (٢) فاستغاثوا به وشكوا الإسكندروس، فأمر بإحضاره من الإسكندرية، فحضر هو وآريوس، وجمع له الأعيان من النصارى ليناظروه. فقال آريوس: كان الأب إذ لم يكن الابن، ثم أحدث الابن فصار كلمة له، فهو محدث مخلوق فوّض إليه الأب كلّ شيء، فخلق الابن - المسمّى بالكلمة - كلّ شيء من السّموات والأرض وما فيهما، فكان هو الخالق بما أعطاه الأب. ثم إنّ تلك الكلمة تجسّدت من مريم وروح القدس، فصار ذلك مسيحا، فإذا المسيح معنيان: كلمة، وجسد، وهما جميعا مخلوقان. فقال الإسكندروس: أيما أوجب عبادة: من خلقنا، أو عبادة من لم يخلقنا؟ فقال آريوس: بل عبادة/ من خلقنا أوجب. فقال الإسكندروس: فإن كان الابن خلقنا كما وصفت، وهو مخلوق، فعبادته أوجب من عبادة الأب الذي ليس بمخلوق، بل تكون عبادة الخالق كفرا، وعبادة المخلوق إيمانا، وهذا أقبح القبيح (٣).

فاستحسن الملك قسطنطين كلام إسكندروس، وأمره أن يحرم آريوس فحرمه، وسأل إسكندروس الملك أن يحضر الأساقفة، فأمر بهم، فأتوه من جميع ممالكه، واجتمعوا بعد ستة أشهر بمدينة نيقية، وعدّتهم ألفان وثلاث مائة وأربعون (a) أسقفا، مختلفون في المسيح. فمنهم من يقول: الابن من الأب بمنزلة شعلة نار تعلّقت من شعلة أخرى، فلم تنقص الأولى بانفصال الثانية عنها. وهذه مقالة سبليوس (b) الصّعيدي ومن تبعه. ومنهم من قال: إنّ مريم لم تحمل بالمسيح


(a) في المصادر المسيحية: ألفان وثمانية وأربعون.
(b) عند ابن البطريق: سابليوس.
(١) سعيد بن البطريق: التاريخ المجموع ١٢٣: ١ - ١٢٤؛ نفسه ٤٢: ٢؛ يوسابيوس القيصري: حياة قسطنطين ٨٦ - ٩٥؛ ساويرس بن المقفع: كتاب المجامع ١٦٢ - ١٦٤؛ القلقشندي: صبح الأعشى ٢٧٥: ١٣ - ٢٧٦. وعقد «مجمع نيقية» في الفترة بين ١٩ يونية و ٢٥ أغسطس سنة ٣٢٥ م في مدينة نيقية Nicaes إحدى مدن الأناضول الكبيرة التي كان لها شأن كبير في عصر الدّولة البيزنطية، وهي المدينة التركية التي تعرف الآن باسم إزنيك. Eznik (راجع،
(٢) هما: أومانيوس أسقف مدينة نيقومدية، وأوسابيوس أسقف مدينة فيلا.
(٣) سعيد بن البطريق: التاريخ المجموع ١٢٤ - ١٢٥.