للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

غد. فبات كثير منهم بباب القصر، واجتمعوا من الغد فصاحوا وضجّوا. فخرج إليهم قائد القوّاد غبن (a) فنهاهم، وأمرهم عن أمير المؤمنين الحاكم بأمر اللّه أن يمضوا إلى معايشهم.

فانصرفوا إلى قاضي القضاة مالك بن سعيد الفارقي وشكوا إليه، فتبرّم من ذلك، فمضوا وفيهم من يسبّ السّلف، ويعرّض بالنّاس. فقرئ سجلّ في القصر بالتّرحّم على السّلف من الصّحابة، والنّهي عن الخوض في ذلك. وركب مرّة فرأى لوحا على قيساريّة فيه سبّ السّلف، فأنكره، وما زال واقفا حتى قلع، وضرب بالجرس (b) في سائر طرقات مصر والقاهرة.

وقرئ سجلّ بتتبّع الألواح المنصوبة على سائر أبواب القياسر والحوانيت والدّور والخانات والأرباع، المشتملة على ذكر الصّحابة والسّلف الصّالح بالسّبّ واللّعن، وقلع ذلك وكسره وتقفية أثره، ومحو ما على الحيطان من هذه الكتابة، وإزالة جميعها من سائر الجهات حتى لا يرى لها أثر في جدار ولا نقش في لوح، وحذّر فيه من المخالفة، وهدّد بالعقوبة.

ثم انتقض ذلك كلّه، وعاد الأمر إلى ما كان عليه (١).

إلى أن قتل الخليفة الآمر بأحكام اللّه أبو عليّ منصور بن المستعلي باللّه أبي القاسم أحمد ابن المستنصر باللّه أبي تميم معدّ، وثار أبو عليّ أحمد الملقّب كتيفات - بن الأفضل شاهنشاه بن أمير الجيوش، واستولى على الوزارة في سنة أربع وعشرين وخمس مائة وسجن الحافظ لدين اللّه أبا الميمون عبد المجيد ابن الأمير أبي القاسم محمد ابن الخليفة المستنصر باللّه، وأعلن بمذهب الإمامية، والدّعوة للإمام المنتظر، وضرب دراهم نقشها «اللّه الصّمد. الإمام محمّد» (٢).

ورتّب في سنة خمس وعشرين أربعة قضاة: اثنان: أحدهما إماميّ والآخر إسماعيليّ، واثنان: أحدهما مالكيّ والآخر شافعيّ، فحكم كلّ منهما بمذهبه، وورّث على مقتضاه، وأسقط ذكر إسماعيل بن جعفر الصّادق، وأبطل من الأذان «حيّ على خير العمل» وقولهم:

«محمّد وعليّ خير البشر» (٣). فلمّا قتل في المحرّم سنة ستّ وعشرين، عاد الأمر إلى ما كان عليه من مذهب الإسماعيلية.


(a) بولاق: عين.
(b) بولاق: الحرس.
(١) المقريزي: اتعاظ الحنفا ٩٨: ٢.
(٢) انظر فيما تقدم ٣٤٩: ٢، وهذا المجلد ٢٠١؛ المقريزي: اتعاظ الحنفا ١٤٠: ٣ - ١٤١.
(٣) ابن ميسر: أخبار مصر ١١٥ - ١١٦؛ النويري: نهاية الأرب ٢٩٧: ٢٨، المقريزي: المقفى الكبير ٣٩٧: ١، ٣٩٥، اتعاظ الحنفا ١٤٢: ٣، ١٤٣؛ ابن حجر: رفع -