للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وما برح حتى قدمت عساكر الملك العادل نور الدّين محمود بن زنكي من دمشق عليها أسد الدّين شيركوه، وولي وزارة مصر للخليفة العاضد لدين اللّه أبي محمد عبد اللّه ابن الأمير يوسف ابن الحافظ لدين اللّه، ومات. فقام في الوزارة بعده ابن أخيه السّلطان الملك النّاصر صلاح الدّين يوسف بن أيّوب، في جمادى الآخرة سنة أربع وستين وخمس مائة، وشرع في تغيير الدّولة وإزالتها، وحجر على العاضد، وأوقع بأمراء الدّولة وعساكرها، وأنشأ بمدينة مصر مدرسة للفقهاء الشّافعيّة ومدرسة للفقهاء المالكيّة، وصرف قضاة مصر الشّيعة كلّهم، وفوّض القضاء لصدر الدّين عبد الملك بن درباس الماراني الشّافعيّ (١)، فلم يستنب عنه في إقليم مصر إلاّ من كان شافعيّ المذهب. فتظاهر النّاس من حينئذ بمذهبي (a) مالك والشّافعي، واختفى مذهب الشّيعة والإسماعيلية والإماميّة حتى فقد من أرض مصر (b) (٢).

وكذلك كان السّلطان الملك العادل نور الدّين محمود بن عماد الدّين زنكي بن آق سنقر حنفيّا فيه تعصّب. فنشر مذهب أبي حنيفة ببلاد الشّام، ومنه كثرت الحنفيّة بمصر، وقدم إليها أيضا عدّة من بلاد الشّرق، وبنى لهم السّلطان صلاح الدّين يوسف بن أيّوب «المدرسة السّيوفيّة» بالقاهرة (٣)، وما زال مذهبهم ينتشر ويقوى، وفقهاؤهم تكثر بمصر والشّام من حينئذ.

وأمّا «العقائد» فإنّ السّلطان صلاح الدّين حمل الكافّة على عقيدة الشّيخ أبي الحسن عليّ ابن إسماعيل الأشعري، تلميذ أبي عليّ الجبّائي (٤)، وشرط ذلك في أوقافه التي بديار مصر:


(a) بولاق: بمذهب.
(b) بولاق: من أرض مصر كلها. - الإصر ١٦٢؛ Allouche، A.، «The Establishment of Four Chief Judgeshiphs in Fatimid Egypt،» JAOS ١٠٥ (١٩٨٥)، pp. ٣١٧ - ٢٠؛ وانظر فيما تقدم ٢٠١ تقرير الظّاهر بيبرس لأربعة قضاة على المذاهب السّنّيّة الأربعة سنة ٦٦٥ هـ/ ١٢٦٦ م.
(١) أبو شامة: الروضتين ٤٨٦: ١؛ المنذري: التكملة لوفيات النقلة ١٥٦: ٢؛ ابن خلكان: وفيات الأعيان ٢٤٢: ٣ - ٢٤٣؛ ابن واصل: مفرج الكروب ١٩٨: ١؛ النويري: نهاية الأرب ٣٦٤: ٢٨؛ ابن أيبك: كنز الدرر ٤٧: ٧؛ الذهبي: سير أعلام النبلاء ٤٧٤: ٢١ - ٤٧٦؛ المقريزي: اتعاظ الحنفا ٣١٩: ٣، السلوك ١٧٠: ١؛ ابن حجر: رفع الإصر ٢٥٢ - ٢٥٤؛ أبو المحاسن: النجوم الزاهرة ٣٨٥: ٥ - ٣٨٦؛ ابن إياس: بدائع الزهور ١/ ٢٣٣: ١.
(٢) فيما تقدم ٢٠٥: ٢.
(٣) فيما يلي ٤٦٠ - ٤٦١.
(٤) انظر فيما يلي ٤٣٩ - ٤٤٦.