للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

بالإسكندرية على الفتك به - وكانت عدّتهم نحوا من مائة - فعقدوا لرئيسهم المهاجر بن أبي المثنّى التّجيبي، أحد بني فهم، عليهم عند منارة الإسكندرية؛ وبالقرب منهم رجل يكنى أبا سليمان، فبلّغ قرّة ما عزموا عليه. فأتى لهم قبل أن يتفرّقوا، فأمر بحبسهم في أصل منارة الإسكندرية، وأحضر قرّة وجوه الجند فسألهم فأقرّوا فقتلهم، ومضى رجل ممّن كان يرى رأيهم إلى أبي سليمان فقتله. فكان يزيد بن أبي حبيب إذا أراد أن يتكلّم بشيء فيه تقيّة من السّلطان تلفّت وقال: احذروا أبا سليمان. ثم قال: النّاس كلّهم من ذلك اليوم أبو سليمان (١).

(a)

فلمّا قام عبد اللّه بن يحيى - الملقّب بطالب الحقّ - في الحجاز على مروان بن محمد الجعدي (٢)، قدم إلى مصر داعيته ودعا النّاس، فبايع له ناس من تجيب وغيرهم. فبلغ ذلك حسّان ابن عتاهية، صاحب الشّرطة، فاستخرجهم، فقتلهم حوثرة بن سهيل الباهلي أمير مصر من قبل مروان بن محمد (٣).

فلمّا قتل مروان، وانقضت أيّام بني أميّة ببني العبّاس في سنة ثلاث وثلاثين ومائة، خمدت جمرة أصحاب المذهب المرواني - وهم الذين كانوا يسبّون عليّ بن أبي طالب ويتبرّأون منه - وصاروا منذ ظهر بنو العبّاس يخافون القتل، ويخشون أن يطّلع عليهم أحد، إلاّ طائفة كانت بناحية الواحات وغيرها، فإنّهم أقاموا على مذهب المروانية دهرا حتى فنوا، ولم يبق لهم الآن بديار مصر وجود ألبتّة.

فلمّا كان في إمارة حميد بن قحطبة على مصر، من قبل أبي جعفر المنصور، قدم إلى مصر عليّ بن محمد بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن (b) بن علي بن أبي طالب داعية لأبيه وعمّه، فذكر ذلك لحميد فقال: هذا كذب. ودسّ إليه أن تغيّب، ثم بعث إليه من الغد - فلم يجده،


(a) النص في ولاة مصر للكندي: مصدر النّقل: «ثم قال يوما من ذاك: النّاس كلهم أبو سليمان».
(b) بولاق: الحسين.
(١) الكندي: ولاة مصر ٨٥.
(٢) عبد اللّه بن يحيى الكندي الإباضي، المعروف بطالب الحقّ خرج باليمن سنة ١٢٩ هـ/ ٧٤٦ م، وأقام فترة في حضرموت ثم قصد صنعاء، ولم يلبث أن قتل سنة ١٣٠ هـ/ ٧٤٧ م. (راجع، الطبري: تاريخ ٣٤٨: ٧؛ المسعودي: مروج الذهب ٨٢: ٤؛ أبا الفرج الأصفهاني: الأغاني ٢٢٤: ٢٣ - ٢٢٥؛ النويري: نهاية الأرب ٥٣٥: ٢١ - ٥٣٦).
(٣) الكندي: ولاة مصر ١١٤.