وأجمع ابن جحدم على حربه ومنعه، فحفر الخندق في شهر - وهو الخندق الذي بالقرافة (١) - وبعث بمراكب في البحر ليخالف إلى عيالات (a) أهل الشّام، وقطع بعثا في البرّ، وجهّز جيشا آخر إلى أيلة/ لمنع عبد العزيز من المسير منها. فغرقت المراكب، ونجا بعضها، وانهزمت الجيوش.
ونزل مروان عين شمس، فخرج إليه ابن جحدم في أهل مصر، فتحاربوا واستحرّ القتل، فقتل من الفريقين خلق كثير (٢). ثم إنّ كريب بن أبرهة وعابس بن سعيد وزياد بن حناطة وعبد الرّحمن ابن موهب المعافري، دخلوا في الصّلح بين أهل مصر وبين مروان فتمّ، ودخل مروان إلى الفسطاط لغرّة جمادي الأولى سنة خمس وستين (٣).
وكانت ولاية ابن جحدم تسعة أشهر، ووضع العطاء فبايعه النّاس إلاّ نفر من المعافر قالوا: لا نخلع بيعة ابن الزّبير. فقتل منهم ثمانين رجلا قدّمهم رجلا رجلا فضرب أعناقهم وهم يقولون:
إنّا قد بايعنا ابن الزّبير طائعين، فلم نكن لننكث بيعته. وضرب عنق الأكدر بن حمام (b) بن عامر، سيّد لخم وشيخها (٤)، وحضر هو وأبوه فتح مصر، وكانا ممّن ثار إلى عثمان ﵁ فتنادى الجند: قتل الأكدر. فلم يبق أحد حتى لبس سلاحه، فحضر باب مروان منهم زيادة على ثلاثين ألفا وخشي مروان، وأغلق بابه حتى أتاه كريب بن أبرهة، وألقى عليه رداءه، وقال للجند: انصرفوا، أنا له جار. فما عطف أحد منهم، وانصرفوا إلى منازلهم، وكان للنّصف من جمادى الآخرة. ويومئذ مات عبد اللّه بن عمرو بن العاص، فلم يستطع أحد أن يخرج بجنازته إلى المقبرة لشغب الجند على مروان (٥). ومن حينئذ غلبت العثمانيّة على مصر، فتظاهروا فيها بسبّ عليّ ﵁ وانكفّت ألسنة العلويّة والخوارج.
فلمّا كانت ولاية قرّة بن شريك العبسي على مصر من قبل الوليد بن عبد الملك في سنة تسعين، خرج إلى الإسكندرية في سنة إحدى وتسعين. فتعاقدت الشّراة من الخوارج
(a) عند الكندي: عيال. (b) بولاق: حسام. (١) انظر خبر هذا الخندق، فيما يلي ٤٥٨: ٢. (٢) الكندي: ولاة مصر ٦٥ - ٦٦، مع تفصيلات كثيرة. (٣) نفسه ٦٧، وفيما يلي ٨٩٦. (٤) حاشية بخطّ المؤلّف: «الأكدر بن حمام بن عامر ابن شعب بن خيثمة اللّخمي، شهد فتح مصر هو وأبوه، وكان أحد من ألّب على عثمان ﵁ وولاه معاوية بحر مصر، وقتله مروان بن الحكم للنّصف من جمادى الآخرة سنة خمس وستين». (٥) الكندي: ولاة مصر ٦٨؛ وفيما تقدم ٤٨: ٢.