ثم ولّى عمرو بن العاص مصر من بعده فاستقبل بولايته هذه الثانية شهر ربيع الأوّل، وجعل إليه الصّلاة والخراج - كانت مصر قد جعلها معاوية له طعمة بعد عطاء جندها والنّفقة على مصلحتها - ثم خرج إلى الحكومة، واستخلف على مصر ابنه عبد اللّه بن عمرو، وقيل (a) خارجة ابن حذافة، ورجع عمرو إلى مصر فأقام بها.
وتعاقد بنو ملجم - عبد الرّحمن وقيس ويزيد - على قتل عليّ ﵁ وعمرو ومعاوية ﵄، وتواعدوا على ليلة من رمضان سنة أربعين، فمضى كلّ منهم إلى صاحبه (١).
فلمّا قتل عليّ بن أبي طالب ﵁ واستقرّ الأمر لمعاوية، كانت مصر - جندها وأهل شوكتها - «عثمانيّة»، وكثير من أهلها «علويّة».
فلمّا مات معاوية ومات ابنه يزيد بن معاوية، كان على مصر سعيد بن يزيد الأزدي على صلاتها فلم يزل أهل مصر على الشّنآن له، والإعراض عنه والتّكبّر عليه، منذ ولاّه يزيد ابن معاوية، حتى مات يزيد في سنة أربع وستين.
ودعا عبد اللّه بن الزّبير إلى نفسه، فقامت الخوارج بمصر في أمره (٢)، وأظهروا دعوته - وكانوا يحسبونه على مذهبهم - وأوفدوا منهم وفدا إليه، فسار منهم نحو الألفين من مصر، وسألوا أن يبعث إليهم بأمير يقومون معه ويؤازرونه. وكان كريب بن أبرهة الصّبّاح، وغيره من أشراف مصر يقولون: ماذا نرى من العجب أنّ هذه الطّائفة المكتتمة تأمر فينا وتنهى، ونحن لا نستطيع أن نردّ أمرهم. ولحق بابن الزّبير ناس كثير من أهل مصر (٣).
(a) بولاق: وقتل. (١) الكندي: ولاة مصر ٥٤ - ٥٥. (٢) حاشية بخطّ المؤلّف: «إنّما قيل لهم «خوارج» لقوله ﵇ «يخرج فيكم قوم يحقرون صلاتكم مع صلاتهم» الحديث. ومعنى قوله: فيكم، أي عليكم، كقوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ اَلنَّخْلِ﴾ [الآية ٧١ سورة طه] أي على جذوع النّخل. وكان خروجهم ومروقهم في زمن الصّحابة، فسمّوا الخوارج وسمّوا المارقة بقوله ﵇: «يمرقون من الدّين مروق السّهم من الرّميّة»، وبقوله: «تقتتل طائفتان من أمّتي فتمرق بينهما مارقة بقتلها أولى الطّائفتين بالحقّ»، ثم استمرّ خروجهم على السّلاطين فأكدّوا الاسم، وهم فرق وهم يسمّون أنفسهم «الشّراة» أي شروا أنفسهم بمعنى باعوها للّه ولا يسميهم بذلك غيرهم». (٣) قام عبد اللّه بن الزّبير بثورة في مكّة على الحكم الأموي ودعا لنفسه بالخلافة بعد موت يزيد بن معاوية سنة -