وانظر هذا الحيّ من مضر فأنت أولى بهم منّي: فألن لهم جناحك، وقرّب عليهم مكانك، وارفع عنهم حجابك. وانظر هذا الحيّ من مدلج، فدعهم وما غلبوا عليه يكفّوا عنك شأنهم، وأنزل الناس من بعد على قدر منازلهم، فإن استطعت أن تعود المرضى، وتشهد الجنائز، فافعل، فإنّ هذا لا ينقصك، ولن تفعل، إنّك واللّه ما علمت لتظهر الخيلاء وتحبّ الرياسة، وتسارع إلى ما هو ساقط عنك. واللّه موفّقك».
فعمل محمد بخلاف ما أوصاه به قيس، فكتب (a) إلى ابن حديج والخارجة معه يدعوهم إلى بيعته، فلم يجيبوه. فبعث إلى دور الخارجة فهدمها، ونهب أموالهم، وسجن ذراريهم، فنصبوا له الحرب، وهمّوا بالنّهوض إليه. فلمّا علم أنّه لا قوّة له بهم أمسك عنهم، ثم صالحهم على أن يسيّرهم إلى معاوية، وأن ينصب لهم جسرا بنقيوس يجوزون عليه، ولا يدخلون الفسطاط.
ففعلوا ولحقوا بمعاوية (١).
فلمّا أجمع عليّ ﵁ ومعاوية على الحكمين، أغفل عليّ أن يشترط على معاوية ألاّ يقاتل أهل مصر. فلمّا انصرف عليّ إلى العراق، بعث معاوية ﵁ عمرو بن العاص ﵁ في جيوش أهل الشّام إلى مصر فاقتتلوا قتالا شديدا انهزم فيه أهل مصر، ودخل عمرو بأهل الشّام الفسطاط. وتغيّب محمد بن أبي بكر [في غافق] (b)، فأقبل معاوية ابن حديج في رهط ممّن يعينه على من كان يمشي في قتل عثمان، وطلب ابن أبي بكر، فدلّتهم عليه امرأة، فقال: احفظوني في أبي بكر. فقال معاوية بن حديج: قتلت ثمانين رجلا من قومي في عثمان، وأتركك وأنت صاحبه. فقتله ثم جعله في جيفة حمار ميّت فأحرقه بالنّار (٢). فكانت ولاية محمد بن أبي بكر خمسة أشهر، ومقتله لأربع عشرة خلت من صفر سنة ثمان وثلاثين (٣).
(a) بولاق: فبعث. (b) زيادة من ولاة مصر. (١) الكندي: ولاة مصر ٥٠ - ٥١. ونقيوس Nikious من المدن المصرية القديمة، وذكر محمد بك رمزي أنّ هذه المدينة زالت الآن وحلّ محلّها الكوم الأثري الكائن بالجهة البحرية من سكن زاوية رزين بمركز منوف المعروف عند الأهالي باسم كوم مانوس أو دقيانوس المحرّفين عن نقيوس التي اختفى اسمها من قديم. (القاموس الجغرافي ٤٦٣: ١ - ٤٦٤). (٢) الكندي: ولاة مصر ٥١ - ٥٢؛ وفيما تقدم ٤٤: ٢ وتعرف هذه الواقعة ب «يوم المسنّاة». (٣) نفسه ٥٤.