فلمّا فرغ منه قال: من وجد فيه حرفا خطأ فله رأس أحمر وثلاثون دينارا. فتداوله القرّاء، فأتى رجل من حمراء (a) الكوفة اسمه زرعة بن سهيل (b) الثّقفي، فقرأه تهجّيا، ثم جاء إلى عبد العزيز بن مروان فقال له: إنّي قد وجدت في المصحف حرفا خطأ. فقال: مصحفي؟ قال:
نعم. فنظر فإذا فيه ﴿إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ [الآية ٢٣ سورة ص]، فإذا هي مكتوبة «نجعة» قد قدّمت الجيم قبل العين. فأمر بالمصحف فأصلح ما كان فيه وأبدلت الورقة، ثم أمر له بثلاثين دينارا وبرأس أحمر (١).
ولمّا فرغ من هذا المصحف، كان يحمل إلى المسجد الجامع غداة كلّ جمعة من دار عبد العزيز، فيقرأ فيه ثم يقصّ، ثم يردّ إلى موضعه. فكان أوّل من قرأ فيه عبد الرّحمن بن حجيرة الخولاني، لأنّه كان يتولّى القصص والقضاء يومئذ وذلك في سنة ستّ وسبعين (٢). ثم تولّى بعده القصص أبو الخير مرثد بن عبد اللّه اليزني، وكان قاضيا بالإسكندرية قبل ذلك.
ثم توفّي عبد العزيز في سنة ستّ وثمانين فبيع هذا المصحف في ميراثه، فاشتراه ابنه أبو بكر بألف دينار، ثم توفّي أبو بكر فاشترته أسماء ابنة أبي بكر بن عبد العزيز بسبع مائة دينار، فأمكنت النّاس منه، وشهرته فنسب إليها. ثم (c) توفّيت أسماء فاشتراه أخوها الحكم بن عبد العزيز ابن مروان من ميراثها بخمس مائة دينار. فأشار عليه توبة بن نمر الحضرمي القاضي - وهو متولّي القصص يومئذ بالمسجد الجامع بعد عقبة بن مسلم الهمداني وإليه القضاء، وذلك في سنة ثمان عشرة ومائة - فجعله في المسجد الجامع، وأجرى على الذي يقرأ فيه ثلاثة دنانير في كلّ شهر من غلّة الإسطبل. فكان توبة أوّل من قرأ فيه بعد أن أقرّ في الجامع (٣).
وتولّى القصص بعد توبة أبو إسماعيل خير بن نعيم الحضرمي القاضي في سنة عشرين ومائة، وجمع له القضاء والقصص (٤). فكان يقرأ في المصحف قائما، ثم يقصّ وهو جالس، فهو أوّل من
(a) بولاق: قراء. (b) بولاق: سهل. (c) بولاق: فلما. (١) ابن عبد الحكم: فتوح مصر ١١٧ - ١١٨؛ ابن دقماق: الانتصار ٧٢: ٤. (٢) ابن دقماق: الانتصار ٧٣: ٤ وانظر ترجمة عبد الرحمن بن حجيرة عند ابن حجر: رفع الإصر ٢١٤ - ٢١٦. (٣) نفسه ٧٣: ٤، وكذلك ابن عبد الحكم: فتوح مصر ١١٧، ١١٨؛ ابن حجر: رفع الإصر ١٠٩ - ١١١. (٤) انظر ترجمته عند ابن حجر: رفع الإصر ١٥٣ - ١٥٦.