درسنا من ناحية أخرى الفصول التي خصّصها كلّ من المقريزي والقلقشندي للأعياد القبطيّة، فإنّه سيتأكّد لدينا أنّ المؤلّفين استخدما في الأغلب مصدرا واحدا، هو المكين بن العميد، وأنّ المقريزي لم ينقل عن القلقشندي الذي تفرّد أحيانا بتفصيلات لا توجد في كتاب المقريزي.
وعلى ذلك فإنّه إن لم تكن مع المقريزي نسخة من تاريخ ابن البطريق (Eutychios) فليس أقلّ من أن يكون قد اعتمد على نسخة معدّلة من تاريخ المكين بن العميد تماثل نسخة التاريخ المحفوظة في المكتبة الوطنية في باريس.
وإذا كان «تاريخ سعيد بن البطريق (أوتيخيوس Eutychios)» و «تاريخ المكين جرجس ابن العميد» هما المصدرين الرّئيسين اللذين اعتمد عليهما المقريزي في حديثه على تاريخ النّصارى، وهما اللذين يعنيهما عندما يقول:«ويذكر علماء الأخبار من النّصارى»(فيما يلي ٩٩٨، ١٠٣٠، ١٠٥٨، وفيما تقدم ٧١٥: ١)؛ فإنّه توجد ثلاثة مصادر مهمّة أخرى تناولت تاريخ النّصارى، وعلى الأخصّ ولاية بطاركتهم وذكر أديرتهم وكنائسهم، لا نعلم إن كان المقريزي قد اعتمد عليها أم لا. أوّلّها «صلة تاريخ سعيد بن البطريق» التي كتبها أبو الفرج يحيى بن سعيد بن يحيى الأنطاكي (٣٧٠ - ٤٥٨ هـ/ ٩٨٠ - ١٠٦٦ م)، وهو مؤلّف مسيحيّ أمضى الأربعين عاما الأولى من حياته في مصر، واستطاع أن يصوّر في تاريخه الاضطهاد الذي لقيه أهل الذّمّة في مصر على يدي الحاكم بأمر اللّه. وتمكّن من مغادرة مصر بعد العفو الذي منحه الحاكم سنة ٤٠٤ هـ/ ١٠١٣ م، حيث قدم في السنة التالية إلى أنطاكيا في الأراضي البيزنطية. وابتدأ يحيى بن سعيد تاريخه بالسّنة التي انتهى عندها ابن البطريق Eutychios، وهي سنة ٣٢٦ هـ/ ٩٣٨ م. وحرّر يحيى بن سعيد «تاريخه» لأوّل مرّة نحو سنة ٣٩٧ هـ/ ١٠٧٠ م - وكان وقتها بمصر - ثم وقعت له بعد ذلك تواريخ لم يكن قد وقف عليها عند شروعه في تأليفه، فغيّره بأجمعه وألّفه تأليفا ثانيا. وبعد انتقاله إلى أنطاكيا تحصّلت له تواريخ جديدة أخرى فأضاف إليه وغيّر ما ألحقه به وقرّر الأمر على هذه النّسخة الأخيرة (١).
ورغم أنّ وفاة يحيى بن سعيد كانت في سنة ٤٥٨ هـ/ ١٠٦٦ م، فإنّ تاريخه لا يتعدّى بحال عام ٤٢٥ هـ/ ١٠٣٤ م، وهو يهتمّ فيه خاصّة بمصر والشّام والدّولة البيزنطية، وقليلا ما يهتمّ بالعراق. وقد اعتمد يحيى في تاريخه - بالإضافة إلى المصادر الإسلامية - على مصادر يونانية