ثانيا»، وبعد انتقاله إلى مدينة أنطاكيا في سنة ٤٠٥ هـ/ ١٠١٤ م، عند ما سمح الإمام الحاكم بأمر اللّه للنّصارى بالخروج من مصر، تصفّحه تصفّحا ثانيا وتحصّل له تواريخ أخر، يقول:«فخرّجت منها ما ألحقته به وأضفته إليه وغيّرت بعضه وقرّرت الأمر على هذه النّسخة»(١).
ودرس جاستون فيت G.Wiet في هامش مطوّل علّق فيه على عمل Jean Maspero «تاريخ بطاركة الإسكندرية» Histoire des Patriarches d'Alexandrie، Paris ١٩٢٣ مصدر المقريزي الذي اعتمد عليه عند ذكره لتاريخ بطاركة الإسكندرية (٢). وفي رأيه أنّ المصدر المعتاد للمقريزي في هذا الفصل هو «تاريخ المكين جرجس بن العميد» وإن لم يصرّح به، واستدلّ على ذلك باتّفاق رواية المقريزي حول تولّي بعض البطاركة وتاريخ بداية ولايتهم ونهايتها مع نصّ المكين بن العميد ومخالفتها لنصوص مؤرّخين نصارى آخرين وعلى الأخصّ ابن الرّاهب وسعيد بن البطريق (أوتيخيوس) وضرب على ذلك العديد من الأمثلة.
ولكن تطابق نصوص أخرى عند المقريزي مع نصّ تاريخ سعيد بن البطريق، يفيد أنّه قد اطّلع على تاريخه بطريقة أو بأخرى، وربّما كان ذلك - كما رجّح فييت Wiet أيضا - عن طريق نصّ لتاريخ المكين بن العميد استفاد من تاريخ سعيد بن البطريق مثل حالة نسخة «تاريخ ابن العميد» المحفوظة في المكتبة الوطنية في باريس برقم ٤٧٢٩، فتكشف هذه النّسخة عن اهتمامات أدبية ومذهبية لناسخها، فقد تناول مادّة كتاب المكين بحرّيّة تامّة وأدخل تعديلات على صلب أصل التاريخ، ولكن هذه التّعديلات لم تكن من اختراع النّاسخ ولكنّها جاءت من خلال دمجه بين تاريخ ابن العميد وتاريخ ابن البطريق حيث كان ينسخ الكتاب وتحت نظره نسخة من تاريخ ابن البطريق، وقد تثبّت فييت Wiet من ذلك من خلال العديد من الفقرات أورد واحدة منها ذات دلالة معبّرة جاءت عند ذكر ولاية أجابيوس لا توجد في نسخ تاريخ المكين الأخرى، ولكنّها توجد بنصّها في تاريخ ابن البطريق.
وسمح هذا المصدر للمقريزي بالتّعرّف على عدد من البطاركة الملكانيين واليعاقبة المنشقّين في القرن السّادس للميلاد (مثل أثناس ويوحنّا القائم بالحقّ ويوحنّا القائم بالأمر)، لم يذكرهم معاصره القلقشندي، الذي اعتمد في ذكره لتاريخ النّصارى على «تاريخ» المكين ابن العميد فقط وسمّاه «ابن العميد مؤرّخ النّصارى»(٣)، رغم أنّه لا يشير إليه صراحة عند ذكره للبطاركة. وإذا
(١) يحيى بن سعيد: تاريخ الأنطاكي ١٩. (٢) Maspero، J.، Histoire des Patriarches d'Alexandrie، Paris ١٩٢٣، pp. ٢١٢ - ٢٢ n. ٢.L ٢ (٣) القلقشندي: صبح الأعشى ٢٧٥: ١٣، ٢٧٨، ٢٨٠.