*** ولم تكن مدينة القاهرة زمن المماليك مدينة محصّنة، فقد اختفى السّور الفاطمي وسط أحياء المدينة المملوكية، كما أنّ القصبة أو الشّارع الأعظم (فيما يلي ٣١٥ - ٣١٦) لم تكن الشّريان التّجاري للمدينة فحسب، وإنّما المكان الذي كانت تتمّ فيه كذلك الاحتفالات الموكبية والتي كان يظهر فيها السّلاطين للشّعب، وهي تعيد إلى الأذهان الميراث الفاطمي الذي كان يمكن إدراكه حتى هذا الوقت. وكما كان الشّارع الأعظم هو المركز السّياسي والرّوحي للقاهرة الفاطميّة، فقد أصبح في العصر المملوكي أشبه بمدينة جامعية؛ فعلى طول القصبة - وعلى الأخصّ في منطقة بين القصرين - كانت توجد سلسلة من المدارس: دار الحديث الكامليّة (٦٢٢ هـ/ ١٢٢٥ م)، والمدارس الصّالحيّة (٦٤١ هـ/ ١٢٤٣ م)، والمدرسة الظّاهريّة بيبرس (٦٦٠ - ٦٦٢ هـ/ ١٢٦٢ - ١٢٦٣ م)، وقبّة ومدرسة المنصور قلاوون (٦٨٣ - ٦٨٤ هـ/ ١٢٨٤ - ١٢٨٥ م)، والمدرسة النّاصريّة محمد بن قلاوون (٦٩٥ - ٧٠٣ هـ/ ١٢٩٥ - ١٣٠٤ م)، والمدرسة الظّاهريّة برقوق (٧٨٦ - ٧٨٨ هـ - ١٣٨٤ - ١٣٨٦ م)، والمدرسة الأشرفيّة برسباي (٨٢٩ هـ/ ١٤٢٥ م)، وإلى الجنوب قليلا كان يوجد آخر جوامع دولة المماليك الشّراكسة: جامع الأشرف قانصوه الغوري وتجاهه مدرسة وقبّة وسبيل وكتّاب (٩٠٩ - ٩١٠ هـ/ ١٥٠٤ - ١٥٠٥ م)، ثم جامع ومدرسة المؤيّد شيخ المحمودي (٨١٨ - ٨٢٣ هـ/ ١٤١٥ - ١٤٢٠ م) بجوار باب زويلة جنوب المدينة الفاطميّة.
وعلى جانبي القصبة في شوارع موازية لها كان يوجد أيضا عدد كبير من المنشآت الدّينيّة:
خانقاه بيبرس الجاشنكير (٧٠٦ - ٧٠٩ هـ/ ١٣٠٦ - ١٣١٠ م) والمدرسة القراسنقريّة (٧٠٠ هـ/ ١٣٠٠ م) ملاصقة له إلى الجنوب منه بشارع الجماليّة، وجامع سابق الدّين مثقال (٧٦٣ هـ/
= المصرية ٩ - ١٠ (١٩٦٢)، ٢٤١ - ٢٥٠)؛ أبو المحاسن: النجوم الزاهرة ١٧٨: ٩ - ٢١٠ (عبد الرحمن زكي: «آثار مصر والقاهرة في النجوم الزاهرة» في كتاب المؤرّخ ابن تغري بردي، القاهرة ١٩٧٤، ١٦٥ - ١٨٠)؛ ابن إياس: بدائع الزهور ١/ ٤٨٥: ١ - ٤٨٦؛ وانظر كذلك، علي المليجي: عمائر النّاصر محمد الدّينيّة، رسالة ماجستير بجامعة القاهرة ١٩٧٥؛ Ayalon، D.، «The Expansion and Decline of Cairo under the Mamluks and its Background» in Itinerairesd'Orient-Hommages'a Claude Cahen، Res Orientales VI (١٩٩٤)، pp. ١٥ - ١٩ الذي يرى أنّ النّفقات الباهظة التي أنفقت على حركة البناء والتّعمير في زمن النّاصر محمد، كانت أحد الأسباب التي أسهمت في تدهور المدينة في العقود التالية!