للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

في العمارة بديار مصر لشغف السّلطان الملك النّاصر بها ومواظبته عليها، فكأنّما نودي في القاهرة ومصر أن لا يتأخّر أحد من النّاس عن إنشاء عمارة، وجدّ الأمراء والجند والكتّاب والتّجّار والعامّة في البناء» (فيما يلي ٤٣٢). وأضاف في «السّلوك»: «وكان يحبّ العمارة، فلم يزل من حين قدم من الكرك إلى أن مات مستمرّ العمارة، فجاء تقدير مصروفه في كلّ يوم مدّة هذه السّنين ثمانية آلاف درهم» (فيما يلي ٢٣٤). «وكان ينفق على العمارة المائة ألف درهم، فإذا رأى فيها ما لا يعجبه هدمها كلّها وجدّدها على ما يختار، ولم يكن من قبله من الملوك في الإنفاق على العمارة كذلك … فكانوا لا يسمحون بالمال، وإنّما يدّخرونه صيانة وخوفا» (١)؛ فعندما شرع الأمير ركن الدّين بيسري الشّمسي الصّالحي في بناء الدّار البيسريّة سنة ٦٥٩ هـ/ ١٢٦١ م «تأنّق في عمارتها وبالغ في كثرة المصروف عليها فأنكر الملك الظّاهر ذلك من فعله» (فيما يلي ٢٢٤). وقال في موضع آخر: «وأكثر السّلطان من العمائر وولّى آقسنقر أمير آخور شاد العمائر، وأحضر العتّالين من سائر البلاد الشّاميّة، وأفرد للعمائر ديوانا بلغ مصروفه في كلّ يوم اثني عشر ألف درهم إلى ثمانية آلاف، وهي أقلّ ما كان يصرف في اليوم الواحد … فامتدّت أيدي النّاس إلى العمارة، وكأنّما نودي في النّاس ألاّ يبقى أحد حتى يعمّر وذلك أنّ النّاس على دين ملكهم» (٢).

وفي الوقت نفسه كان النّاصر محمد يكره نظر أثر أحد من الملوك قبله ويبغضه أن يذكر لأحد غيره شيء يعرف به، لذلك أحبّ أن يزيل رنك السّلطان الظّاهر بيبرس من على قناطر السّباع «لتبقى القنطرة منسوبة إليه ومعروفة به، كما كان يفعل دائما في محو آثار من تقدّمه وتخليد ذكره ومعرفة الآثار به ونسبتها له» (فيما يلي ٤٩٠)؛ وفي الوقت نفسه كان حريصا على استكمال مظاهر الأبّهة، فإنّه، كما يصفه المقريزي، «ممّن لا يطيق شيئا ينقص ملكه» (فيما يلي ٧٢٩).

وقد أورد كلّ من ابن أيبك الدّواداري والمقريزي وأبي المحاسن بن تغري بردي وابن إياس، قائمة مفصّلة بما أنشئ في عصر النّاصر محمد من منشآت سواء قام بها هو أو أمراؤه (٣).


(١) المقريزي: السلوك ٥٣٧: ٢.
(٢) نفسه ١٣٠: ٢، ١٣١؛ وراجع حول هذا الموضوع Wiliams، J.A.، «Urbanization and Monument Coustruction in Mamluk Cairo»، Muqarnas II (١٩٨٤)، pp. ٣٣ - ٤٥; al-Harithy، H.، «The Patronage of al-Nasir Muhammad ibn Qalawun، ١٣١٠ - ١٣٤١»، Mamluk Studies Review IV (٢٠٠٠)، pp. ٢١٩ - ٢٢٤.L ٢
(٣) ابن أبيك الدواداري: كنز الدرر ٣٨٨: ٩ - ٣٩٠ (ذكر الجوامع المستجدّة في أيّام النّاصر محمد)؛ المقريزي: فيما يلي ٣٠٦: ٢ - ٣٠٧، السلوك ٥٣٧: ٢ - ٥٤٥ (محمد مصطفى زيادة: «حركة البناء والتّعمير في عصر النّاصر من كتاب «السّلوك لمعرفة دول الملوك للمقريزي»، المجلة التاريخية -