ولكن علينا أن نلاحظ أنّ تعمير الأحياء الواقعة في البرّ الغربي للخليج لم يكن قد اكتمل حتى في عصر النّاصر محمد بن قلاوون، كما أنّه تأثّر تأثّرا سلبيا بالأزمات الاقتصادية التي مرّت بها مصر والقاهرة بين منتصف القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي ومطلع القرن التاسع الهجري/ الخامس عشر الميلادي. ولم يعد إليه النّشاط إلاّ في نهاية هذا القرن بعد إنشاء الأمير أزبك من ططخ لحيّ الأزبكيّة، ثم نمت هذه الأحياء في العصر العثماني وفي زمن الحملة الفرنسية حتى استقرّت على وضعها الحالي مع المشروع الحضاري الذي تبنّاه في النّصف الثّاني للقرن التاسع عشر الخديو إسماعيل باشا.
***
هكذا بلغت القاهرة في سلطنة النّاصر محمد بن قلاوون الثّالثة - التي تعدّ أكثر فترات تاريخ القاهرة ازدهارا وعلى الأخصّ في مجال العمارة - أبعادا غير مسبوقة، وهو أمر لن يتكرّر أيضا بعد ذلك - باستثناء فترة سلطنة الاشرف قايتباي في الرّبع الأخير من القرن التاسع الهجري - إلاّ بعد تولّي الخديو إسماعيل باشا عرش مصر سنة ١٨٦٣ م، الذي يعدّ أوّل حاكم منذ تسعة قرون يتبنّى مشروعا شاملا لتنمية المدينة، قام في الأساس على محاكاة الأنموذج الغربي لتنمية المدن (١).
وترجع سياسة التّعمير التي سادت في النّصف الأوّل للقرن الثّامن الهجري/ الرّابع عشر الميلادي إلى شخصيّة النّاصر محمد بن قلاوون نفسه والظّروف التي أحاطت به، حيث تحقّق في فترة حكمه سلام مستمرّ، وأعاد روك الأراضي الزّراعية في مصر والشّام، ممّا ساعد على زيادة الإنتاج الزّراعي وعلى الرّخاء الاقتصادي، كما أنّ النّاصر محمد لم يكن مملوكا بل ابن سلطان، ولم يصل إلى الحكم من خلال الجيش، وتمتّع بشعبية كبيرة طوال فترة سلطنته الثّالثة والتي استمرّت واحدا وثلاثين عاما؛ يقول المقريزي:«متّعه اللّه من الدّنيا بالسّعادة العظيمة في المدّة الطّويلة مع كثرة الطّمأنينة والأمن وسعة الأموال، واقتنى كلّ حسن ومستحسن من الخيل والغلمان والجواري، وساعده الوقت في كلّ ما يحبّ ويختار إلى أن أتاه الموت»(فيما يلي ٣٠٦: ٢). واقتدى الأمراء والأعيان وأثرياء التّجّار بالأنموذج الذي قدمّه السّلطان نفسه ببناء العديد من الآثار الدّينيّة وذات الطّابع الاجتماعي. يقول المقريزيّ: «فلمّا كان سنة ثلاث عشرة وسبع مائة رغب النّاس
(١) راجع، Arnaud، J. -L.، Le Caire mise en Place d'une ville moderne ١٨٦٧ - ١٩٠٧.Des interets du prince aux societes privees، Paris-Actes SudL ٢ ١٩٩٨.