وسار المعزّ بعساكره من المغرب حتى نزل بالجيزة، فعقد له جوهرا جسرا جديدا عند المختار بالجزيرة (a)، فسار عليه، وقد زيّنت له مدينة الفسطاط فلم يشقّها، ودخل إلى القاهرة بجميع أولاده وإخوته وسائر أولاد عبيد اللّه المهدي وبتوابيت آبائه (١)، وذلك لسبع خلون من رمضان سنة اثنتين وستين وثلاث مائة (٢). فعند ما دخل القصر صلّى ركعتين، فاقتدى به من حضر، وبات به، ثم أصبح فجلس للهناء، وأمر فكتب في سائر مدينة مصر «خير النّاس بعد رسول اللّه ﷺ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب»، وأثبت اسم المعزّ لدين اللّه واسم ابنه (b) عبد اللّه الأمير (٣)، وجلس في القصر على السّرير الذّهب، وصلّى بالنّاس صلاة عيد الفطر في المصلّى، فسبّح في كلّ ركعة وفي كلّ سجدة ثلاثين تسبيحة، ثم خطب بعد الصّلاة. وركب لفتح خليج مصر يوم الوفاء، وعمل عيد غدير خمّ، ومات بعض بني عمّه فصلّى عليه وكبّر سبعا، وكبّر على ميّت آخر خمسا. وقدمت القرامطة إلى مصر، فسيّر إليهم الجيوش وهزموهم (٤).
وما زال إلى أن توفّي من علّة اعتلّها بعد دخوله إلى القاهرة بسنتين وسبعة أشهر وعشرة أيّام، وعمره خمس وأربعون سنة وستة أشهر تقريبا؛ فإنّ مولده بالمهديّة في حادي عشر شهر رمضان سنة تسع عشرة وثلاث مائة، ووفاته بالقاهرة لأربع عشرة خلت من ربيع/ الآخر سنة خمس
(a) في الاتعاظ: عقد جوهر جسر الجزيرة، وعقد جسرا آخر عند المختار بالجزيرة. (b) بولاق: أبيه. (١) فيما يلي ٣٥١. (٢) عن تاريخ الدولة الفاطمية في مصر راجع، حسن إبراهيم حسن: تاريخ الدولة الفاطمية في المغرب ومصر وسورية وبلاد العرب، القاهرة ١٩٥٨؛ عبد المنعم ماجد: ظهور خلافة الفاطميين وسقوطها في مصر، الإسكندرية ١٩٦٨، القاهرة ١٩٩٢؛ محمد جمال الدين سرور: الدولة الفاطمية في مصر سياستها الداخلية ومظاهر الحضارة في عهدها، القاهرة ١٩٧٠، ١٩٩٥؛ Lewis، B.، «An Interpretation of Fatimid History»، CIHC، pp. ٤٣٧ - ٥٠; Fatimides II، pp. ٨٧١ - ٨٢؛ وأحدث الدراسات ما كتبه كاتب هذه السطور أيمن فؤاد: الدولة الفاطمية في مصر - تفسير جديد، القاهرة ٢٠٠٠. وكذلك Canard، M.، El ٢ art.Fatimides II، pp. ٨٧٠ - ٨٢ (٣) الأمير عبد اللّه هو الابن الأوسط للمعز الذي عينه المعز وهو مازال بإفريقية لولاية عهده، متخطّيا بذلك ابنه الأكبر تميم - صاحب الحق الشرعي تبعا للعقيدة الإسماعيلية - لأنه كان يحيا حياة عابثة بعيدة عمّا يجب أن يتحلّى به من يرشّح لإمامة المؤمنين، ولكنه توفّي فجأه في حياة أبيه سنة ٣٦٣ هـ/ ٩٧٣ م. وبدلا من أن يعيّن المعز لولاية عهده حفيده ابن عبد اللّه تبعا للعقيدة الإسماعيلية التي تنص على أن الإمامة لا تنتقل من أخ إلى أخيه وإنما تكون في الأعقاب، عيّن المعز ابنه الثالث نزار لولاية عهده وهو الذي خلفه باسم «العزيز باللّه» (راجع مناقشة ذلك عند، أيمن فؤاد: الدولة الفاطمية في مصر ١٥٦ - ١٥٧). (٤) ابن ميسر: أخبار مصر ١٥٩ - ١٦٢.