فيها وابتاعتها منه بستّ مائة دينار، فإذا هي ابنة الإخشيد محمد بن طغج، وقد بلغها خبر هذه الصّبيّة، فلمّا رأتها شغفتها حبّا فاشترتها لتستمتع بها (١). فعاد الوكيل إلى المغرب وحدّث المعزّ بذلك فأحضر الشّيوخ، وأمر الوكيل فقصّ عليهم خبر ابنة الإخشيد مع الصّبيّة إلى آخره، فقال المعزّ:«يا إخواننا انهضوا إلى مصر، فلن يحول بينكم وبينها شيء، فإنّ القوم قد بلغ بهم التّرف إلى أن صارت امرأة من بنات الملوك فيهم تخرج بنفسها وتشتري جارية لتتمتّع بها، وما هذا إلاّ من ضعف نفوس رجالهم وذهاب غيرتهم، فانهضوا لمسيرنا إليهم». فقالوا:«السّمع والطّاعة».
فقال: خذوا في حوائجكم، فنحن نقدّم الاختيار لمسيرنا إن شاء اللّه» (٢).
وكان قيصر ومظفّر الصّقلبيّان قد بلغا رتبة عظيمة عند المنصور والد المعزّ، وكان المظفّر يدلّ على المعزّ من أجل أنّه علّمه الخطّ في صغره، فحرد عليه مرّة وولّى، فسمعه المعزّ يتكلّم بكلمة صقلبيّة استراب منها، ولقّنها منه وأنفت نفسه من السؤال عن معناها. فأخذ يحفظ اللّغات:
فابتدأ بتعلّم اللغة البربريّة حتى أحكمها: ثم تعلّم الرّومية والسّودانية حتى أتقنهما، ثم أخذ يتعلّم الصّقلبيّة، فمرّت به تلك الكلمة، فإذا هي سبّ قبيح، فأمر بمظفّر فقتل من أجل تلك الكلمة (٣).
وبلغه [- وهو بالمغرب -] (a) أمر الحرب التي كانت بين بني حسن وبني جعفر بالحجاز، حتى قتل من بني حسن أكثر ممّن قتل من بني جعفر، فأنفذ مالا ورجالا في السّرّ ما زالوا بالطائفتين حتى اصطلحتا، وتحمّل الرجال عن كلّ منهما الحمالات، فجاء الفاضل في القتلى لبني حسن عند بني جعفر نحو سبعين قتيلا، فأدّوا عنهم، وعقدوا بينهم الصّلح في الحرم تجاه الكعبة، وتحمّلوا عنهم الدّيات من مال المعزّ، وكان ذلك في سنة ثمان وأربعين وثلاث مائة.
فصارت هذه الفعلة يدا عند بني حسن للمعزّ، فلمّا ملك جوهر مصر، بادر حسن بن جعفر الحسني بالدّعاء للمعزّ في مكّة، وبعث إلى جوهر بالخبر، فسيّر إلى المعزّ يعرّفه بإقامة الدّعوة له بمكّة، فأنفذ إليه بتقليده الحرم وأعماله (٤).
(a) إضافة من اتعاظ الحنفا. (١) المقريزي: اتعاظ الحنفا ١٠٠: ١. (٢) نفسه ١٠٠: ١. (٣) نفسه ١٠١: ١. (٤) نفسه ١٠١: ١.