دنياكم، وبما خصّني اللّه به من إمامتكم، وإنّي مشغول بكتب ترد عليّ من المشرق والمغرب أجيب عنها بخطي، وإنّي لا أشتغل بشيء من ملاذّ الدنيا إلاّ بما يصون أرواحكم، ويعمّر بلادكم، ويذلّ أعداءكم، ويقمع أضدادكم (a)؛ فافعلوا يا شيوخ في خلواتكم مثل ما أفعله، ولا تظهروا التكبّر والتجبّر، فينزع اللّه النّعمة عنكم، وينقلها إلى غيركم، وتحنّنوا على من وراءكم ممن لا يصل إليّ كتحنّني عليكم، ليتّصل في النّاس الجميل، ويكثر الخير، وينتشر العدل، وأقبلوا بعدها على نسائكم، والزموا الواحدة التي تكون لكم، ولا تشرهوا إلى التكثّر منهن والرّغبة فيهن، فيتنغّص عيشكم، وتعود المضرّة عليكم، وتنهكوا أبدانكم، وتذهب قوّتكم وتضعف نحائزكم (١)، فحسب الرّجل الواحد الواحدة، ونحن محتاجون إلى نصرتكم بأبدانكم وعقولكم؛ واعلموا أنّكم إذا لزمتم ما آمركم به، رجوت أن يقرّب اللّه علينا أمر المشرق كما قرّب أمر المغرب بكم، انهضوا رحمكم اللّه ونصركم. فخرجوا عنه» (٢).
واستدعى يوما أبا جعفر حسين بن مهذّب صاحب بيت المال - وهو في وسط القصر قد جلس على صندوق، وبين يديه ألوف صناديق مبدّدة - فقال له: هذه صناديق مال، وقد شذّ عنّي ترتيبها فانظرها ورتّبها؛ قال: فأخذت أجمعها إلى أن صارت مرتبة، وبين يديه جماعة من خدّام بيت المال والفرّاشين، فأنفذت إليه أعلمه، فأمر برفعها في الخزائن على ترتيبها، وأن يغلق عليها وتختم بخاتمه، وقال: قد خرجت عن خاتمنا وصارت إليك. فكانت جملتها أربعة وعشرين ألف ألف دينار، وذلك في سنة سبع وخمسين وثلاث مائة، فأنفقها أجمع على العساكر التي سيّرها إلى مصر من سنة ثمان وخمسين إلى سنة اثنتين وستين وثلاث مائة (٣).
(a) الصيغة عند ابن سعيد وفي اتعاظ الحنفا بالماضي: صان، عمر، ذل، قمع. (١) النحائز: جمع نحيزة وهي الطبيعة. (٢) ابن سعيد: النجوم الزاهرة ٣٩ - ٤٠ (ومصدره كتاب «سيرة الأئمة» لأبي العلاء عبد العزيز بن عبد الرحمن بن حسين بن مهذّب، وهو مؤلف قيرواني الأصل كانت أسرته قد قدمت مع المعزّ إلى مصر، ولا نعرف على التحديد الفترة التي عاش فيها، إلاّ أنّه كان موجودا في زمن الحاكم بأمر اللّه)؛ المقريزي: اتعاظ الحنفا ٩٥: ١ - ٩٦. (٣) نفسه ٤١؛ نفسه ٩٦ - ٩٧.