للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

بل ولد في سنة اثنتين، وقيل سنة إحدى وثلاث مائة. وكان خطيبا بليغا يرتجل الخطبة لوقته، شجاعا عاقلا (١).

وقام من بعده ابنه «المعزّ لدين اللّه أبو تميم معدّ» وعمره نحو أربع وعشرين سنة، فإنّه ولد للنصف من رمضان سنة سبع/ عشرة وثلاث مائة، فانقاد إليه البربر وأحسن إليهم، فعظم أمره (٢).

واختصّ من مواليه بجوهر وكنّاه بأبي الحسين، وأعلى قدره، وصيّره في رتبة الوزارة، وعقد له على جيش كثيف فيهم الأمير زيري بن مناد الصّنهاجي؛ فدوّخ المغرب وافتتح مدنا وقهر عدّة أكابر وأسرهم، حتى أتى البحر المحيط فأمر باصطياد سمكة منه، وسيّرها في قلّة من ماء إلى المعزّ إشارة إلى أنّه ملك حتى سكّان البحر المحيط الذي لا عمارة بعده، ثم قدم غانما مظفّرا، فعظم قدره عند المعزّ (٣).

ولمّا كان في بعض الأيام، استدعى المعزّ في يوم شات عدّة من شيوخ كتامة، فدخلوا عليه في مجلس قد فرش باللّبود، وحوله كساء وعليه جبّة، وحوله أبواب مفتحة تفضي إلى خزائن كتب، وبين يديه دواة وكتب، فقال:

«يا إخواننا أصبحت اليوم في مثل هذا الشّتاء والبرد، فقلت لأم الأمراء - وإنّها الآن بحيث تسمع كلامي - أترى إخواننا يظنّون أنّا في مثل هذا اليوم نأكل ونشرب، ونتقلّب في المثقل والدّيباج والحرير والفنك والسّمور والمسك والخمر والقباء (a) كما يفعل أرباب الدنيا.

ثم رأيت أن أنفذ إليكم فأحضرتكم لتشاهدوا حالي إذا خلوت دونكم واحتجبت عنكم، وإنّي لا أفضلكم في أحوالكم إلاّ بما لا بدّ لي منه من


(a) في المغرب لابن سعيد واتعاظ الحنفا: الغناء.
(١) المقريزي: اتعاظ الحنفا ٨٨: ١ - ٩٢.
(٢) المعز لدين اللّه الإمام الفاطمي الرابع والذي انتقلت في عهده الخلافة الفاطمية من شمال إفريقيا إلى مصر راجع أخباره عند، ابن ظافر: أخبار الدول المنقطعة ٢١ - ٣٠؛ النويري: نهاية الأرب ١١٨: ٢٨ - ١٥٣؛ المقريزي: اتعاظ الحنفا ٩٣: ١ - ٢٣٥؛ أبي المحاسن: النجوم الزاهرة ٦٩: ٤ - ١١٢؛ حسن إبراهيم حسن: المعز لدين اللّه مؤسس الدولة الفاطمية في مصر، القاهرة ١٩٦٤؛ Dachraoui، F.، El ٢ art.al-Mucizz li Din All?h VII، ٤٨٥ - ٨٩.
(٣) انظر ترجمة جوهر الصّقلبي فيما يلي ٢٥٦ - ٢٦٠.