ولمّا أخذ في تجهيز جوهر بالعساكر إلى أخذ ديار مصر، حتى تهيّأ أمره وبرز للمسير، بعث المعزّ خفيفا الصّقلبي (١) إلى شيوخ كتامة يقول: «يا إخواننا قد رأينا أن ننفذ رجالا إلى بلدان كتامة يقيمون بينهم، ويأخذون صدقاتهم ومراعيهم، ويحفظونها علينا (a) في بلادهم، فإذا احتجنا إليها أنفذنا خلفها فاستعنّا بها على ما نحن بسبيله». فقال بعض شيوخهم (٢) لخفيف لمّا بلغه ذلك:
«قل لمولانا: واللّه لا فعلنا هذا أبدا، كيف تؤدّي كتامة الجزية، ويصير عليها في الدّيوان ضريبة، وقد أعزّها اللّه قديما بالإسلام، وحديثا معكم بالإيمان، وسيوفنا بطاعتكم في المشرق والمغرب؟!
فعاد خفيف إلى المعزّ بذلك، فأمر بإحضار جماعة كتامة، فدخلوا عليه وهو راكب فرسه، فقال: ما هذا الجواب الذي صدر عنكم؟ فقالوا: هذا جواب جماعتنا، ما كنّا يا مولانا بالذي نؤدّي جزية تبقى علينا. فقام المعزّ في ركابه وقال: بارك اللّه فيكم، فكهذا أريد أن تكونوا، وأنّما أردت أن أختبركم فأنظر كيف أنتم بعدي (٣).
فسار جوهر، وأخذ مصر كما قد ذكر في ترجمته عند ذكر سور القاهرة من هذا الكتاب (٤).
فلمّا ثبتت قدم جوهر بمصر، كتب إليه المعزّ جوابا عن كتابه:
«وأمّا ما ذكرت يا جوهر من أنّ جماعة بني حمدان وصلت إليك كتبهم يبذلون الطّاعة، ويعدون بالمسارعة في المسير إليك، فاسمع لما أذكره لك: احذر أن تبتدئ أحدا من آل حمدان بمكاتبة ترهيبا له ولا ترغيبا، ومن كتب إليك كتابا منهم فأجبه بالحسن الجميل ولا تستدعه إليك، ومن ورد إليك منهم فأحسن إليه، ولا تمكّن أحدا منهم من قيادة جيش ولا ملك طرف، فبنو حمدان يتظاهرون بثلاثة أشياء عليها مدار العالم وليس لهم فيها نصيب: يتظاهرون بالدّين وليس لهم فيه نصيب، ويتظاهرون بالكرم وليس
(a) بولاق: عليهم. (١) خفيف الشّمّاس الصّقلي صاحب الستر. (٢) هو محمد بن علي بن سلمان شيخ كتامة في وقته، كما عند ابن سعيد. (٣) ابن سعيد: النجوم الزاهرة ٤١ - ٤٢؛ المقريزي: اتعاظ الحنفا ٩٨: ١. (٤) فيما يلي ٢٥٦ - ٢٥٨.