فتفرّق حينئذ عن المستنصر جميع أقاربه وأولاده من الجوع، فمنهم من سار إلى المغرب، ومنهم من سار إلى الشّام والعراق (١).
قال الشّريف محمّد بن أسعد الجوّاني النّسّابة في كتاب «النّقط»: حلّ بمصر غلاء شديد في خلافة المستنصر باللّه، في سنة سبع وخمسين وأربع مائة، وأقام إلى سنة أربع وستين وأربع مائة، وعمّ مع الغلاء وباء شديد، فأقام ذلك سبع سنين، والنّيل يمدّ وينزل فلا يجد من يزرع. وشمل الخوف من العسكرية وفساد العبيد، فانقطعت الطّرقات برّا وبحرا إلاّ بالخفارة الكثيرة مع ركوب الغرر، ونزا المارقون بعضهم على بعض، واستولى الجوع لعدم القوت، وصار الحال إلى أن بيع رغيف من الخبز الذي وزنه رطل بزقاق القناديل كبيع الطّرف في النّداء، بأربعة عشر (a) درهما، وبيع أردبّ من القمح بثمانين دينارا، ثم عدم ذلك وأكلت الكلاب والقطاط، ثم تزايد الحال حتى أكل النّاس بعضهم بعضا. وكان بمصر طوائف من أهل الفساد قد سكنوا بيوتا قصيرة السّقوف قريبة ممّن يسعى في الطّرقات ويطوف، وقد أعدّوا سلبا وخطاطيف، فإذا مرّ بهم أحد شالوه في أقرب وقت، ثم ضربوه بالأخشاب وشرّحوا لحمه وأكلوه (٢)!
قال: وحدّثني بعض نسائنا الصّالحات قالت: كانت لنا من الجارات امرأة ترينا أفخاذها وفيها كالحفر، فكنّا نسألها فتقول: أنا ممّن خطفني أكلة النّاس في الشّدّة فأخذني إنسان - وكنت ذات جسم وسمن - فأدخلني إلى بيت فيه سكاكين وآثار الدّماء وزفرة القتلى، فأضجعني على وجهي وربط في يديّ ورجليّ سلبا إلى أوتاد حديد عريانة، ثم شرّح من أفخاذي شرائح وأنا أستغيث ولا أحد يجيبني، ثم أضرم الفحم وشوى من لحمي وأكل أكلا كثيرا، ثم سكر حتى وقع على جنبه لا يعرف أين هو، فأخذت في الحركة إلى أن تخلّى (b) أحد الأوتاد، وأعان اللّه على الخلاص وتخلّصت، وحللت الرّباط، وأخذت خرقا من داره ولففت بها أفخاذي، وزحفت إلى باب الدار، وخرجت أزحف إلى أن وقعت إلى المأمن، وجئت إلى بيتي وعرّفتهم بموضعه، فمضوا إلى
(a) ظ: وعشرين. (b) بولاق: انحل. (١) ابن ميسر: أخبار مصر ٣٨؛ النويري: نهاية ٢٣١: ٢٨ - ٢٣٢، ٢٣٣؛ المقريزي: اتعاظ الحنفا ٣٠٦: ٢ - ٣٠٧. (٢) قارن مع ابن ميسر: أخبار ٥٧؛ ابن الأثير: الكامل ٥٨: ١٠ - ٥٩؛ النويري: نهاية ٢٣٣: ٢٨ - ٢٣٤؛ المقريزي: إغاثة الأمة ٢٥ - ٢٦؛ أبي المحاسن: النجوم ١٧: ٥.